“دمار جانبي” لعدوان فرنسي استعمارية بامتياز
هل كان ينبغي للسلطات الجزائرية أن تبقي على الفرجة الإعلامية في عين أمناس قائمة حتى تنتهي قوات الاحتلال الفرنسية من طمس آثار المذابح العرقية البشعة في بلدة “قونة” المالية، أم أن الحسم العسكري كان ضرورة لقطع الطريق أمام مزيد من التوريط الفرنسي الغربي للجزائر في الحرب الاستعمارية الفرنسية القذرة على بلد إفريقي جار؟
قبل الاسترسال في محاولة فهم وتحليل العدوان الذي تعرضت له القاعدة الغازية في عين أمناس أجد في نفسي حاجة إلى التعبير عن التفهم الكامل لقرار السلطات الجزائرية بالتسريع في تنفيذ عملية تحرير المحتجزين كيفما كان الثمن، لأن الثمن الذي كانت ستدفعه الجزائر من أي تقاعس أو تسويف كان سيدفع من الحساب الجاري لمصداقية الدولة، واستقلالية قرارها السيد، ولأن العملية من البداية تشتم منها روائح العبث الإستخباراتي الغربي والفرنسي تحديدا، ولأن الجزائر بهذا القرار، الذي قصر من عمر الأزمة، تكون قد أصابت أكثر من عصفور بحجر واحد، وكفرت بعض الشيء عن الخطيئة السياسية التي ارتكبتها بالترخيص لعبور الطيران الحربي الفرنسي لأجوائها.
.
الحسم العسكري الذي أفسد الفرجة الإعلامية
فقد بعثت بهذا الحسم السريع برسالة إلى الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل تيئسها من فرصة نقل أزمة شمال مالي إلى الجزائر، واتخاذ التراب الجزائري ساحة واسعة للمناورة، وبعثت برسالة أقوى إلى الطرف الفرنسي والحلفاء الغربيين باستحالة توريط الجزائر في الأزمة، واستدراجها إلى تقديم مزيد من التسهيلات لعدوان فرنسي استعماري صرف، تجاهل مصالح الجزائر وتحذيراتها المتكررة من أي تدخل عسكري غربي، فضلا عن الاستغلال الفرنسي الفاحش لقرار ربما لم يدرس بما فيه الكفاية، سمح بتسهيل عبور الطيران الفرنسي إلى مالي عبر الأجواء الجزائرية.
فالتدخل العسكري الفرنسي في مالي، ثم الاعتداء على القاعدة الغازية بعين آمناس، هو بجميع المقاييس عدوان فرنسي بامتياز على الجزائر، مصحوب بجملة من السلوكات المخادعة الماكرة صدرت عن قصر الإليزيه أياما قليلة بعد زيارة الدولة للرئيس هولاند إلى الجزائر.
وقد يكون من الخطأ في التحليل، على الأقل بالنسبة للجزائريين، البدء من حيث انتهت إليه الأحداث، بالوقوف عند المظهر الإعلامي الصاخب الذي تحقق للتدخل الفرنسي عبر تنفيذ مجموعة إرهابية لعملية احتجاز رهائن أجانب، لأن العملية تبقى محض تفصيل ضمن سياسة رعناء أقدم عليها الرئيس الفرنسي، هي حالة من الهروب إلى الأمام، باتت من أبرز السمات في السياسة الخارجية الفرنسية بعد ترحيل الفكر الديغولي من قصر الإليزيه.
.
“عملية عين أمناس ليست أكثر من تفصيل ضمن سياسة رعناء أقدم عليها الرئيس الفرنسي، هي حالة من الهروب إلى الأمام باتت تميز السياسة الخارجية الفرنسية بعد ترحيل الفكر الديغولي من قصر الإليزيه”
لعبة التوريط بأساليب كيدية
فمنذ اللحظة التي أعلن فيها وزيرا الخارجية والدفاع الفرنسيين حصول فرنسا على رخصة من السلطات الجزائرية لعبور الطيران الفرنسي، كان ينبغي للسلطات الجزائرية أن تقرأ في الإعلان سوء نية مبيتة، وتدبيرا كيديا يريد توريط الجزائر بشكل من الأشكال في اللعبة القذرة التي بدأت في مالي، والتي جاءت خارج مقتضيات قرار مجلس الأمن الأخير، الذي أوكل مهمة مساعدة الدولة المالية إلى قوات إفريقية، وليس لقوة غربية لها ماض أسود كقوة استعمارية، ثم كقوة تعبث بالقانون الدولي وبسيادة الدول في أكثر من موقع، كان آخرها أفغانستان وليبيا وساحل العاج والكونغو.
لنتذكر أن القرار الأممي الخاص بمالي صدر في اليوم الأخير من زيارة هولاند للجزائر، وقد رحب به الطرفان، لكونه اشترط لقيام أي عمل عسكري، استنفاذ المتاح من الإجراءات السياسية، وقامت الجزائر بمساع حميدة في هذا السياق، فضغطت على أكبر فصيلين متحكمين في الأوضاع بشمال مالي، وحملتهما على الدخول في مسار سياسي تفاوضي مع حكومة مالي، فكيف أمكن للجزائر أن تسقط في الشرك الفرنسي مجددا، إلا إذا كانت قد وقعت ضحية مكيدة فرنسية، أو ضغط يكون قد مارسه البيت الأبيض، الراغب على ما يبدو في مزيد من التوريط الفرنسي في رمال مالي المتحركة.
.
فتح الأجواء الذي فتح أبواب جهنم
وإلى أن يصدر توضيح من السلطات الجزائرية يؤكد أو ينفي حصول الفرنسيين على الترخيص، فإن من حق المواطن الجزائري أن يطرح أكثر من سؤال حول المواقف الضبابية للسلطات الجزائرية في الملف المالي، يأتي على رأسها الإخلال بأحد الأركان الثابتة في السياسة الخارجية الجزائرية، وأعني به رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والنأي بالنفس عن المشاركة بأي شكل من الأشكال في أي عدوان على بلد ذي سيادة.
ثم أنه وحتى مع الأخذ بعين الاعتبار بوجود ضغوط فرنسية ودولية، أو مصالح لا نعلمها قد تبرر خرق المبدأ، فإن غياب أي رد فعل رسمي عقب الإعلان الفرنسي الكيدي بحصول فرنسا على الترخيص، هو إشارة لا تخرج عن أحد الاحتمالين:
الأول: أن السلطات الجزائرية تكون قد منحت الترخيص مكرهة أو عن طواعية، ولها أن تتحمل النتائج والتداعيات التي بدأت من عين أمناس، وأخرى قادمة تهدد مجمل مصالحنا في الصحراء، وقد تهدد وحدة البلد مع تدويل أزمة شمال مالي.
الثاني: أنها كانت ضحية مكيدة فرنسية، أرادت توريط الجزائر رغم أنفها، وحملها على تغيير مواقفها الرسمية المعلنة حيال سبل التعاطي مع الأزمة في مالي، وينبغي للسلطات الجزائرية أن تظهر موقفا آخر من التدخل الفرنسي ذي الطابع الاستعماري في بلد جار.
.
المذابح في “قونا” المالية والفرجة عين أمناس
وفي كل الأحوال، فإن مسارعة المسؤولين الفرنسيين إلى الإعلان عن حصولهم على الترخيص، كان رسالة واضحة للجماعات المتطرفة المنخرطة في أزمة شمال مالي باستهداف الجزائر، لأن السلطات الفرنسية لم تكن مضطرة للإعلان عن هذه الجزئية لولا وجود رغبة صريحة في توريط الجزائر، وقد نجحت إلى أبعد حد، بل إن العمل الكيدي الفرنسي ذهب أبعد من ذلك، حيث تشتم الروائح الإستخباراتية من عملية عين أمناس، وقد لا تكون اليد الإستخباراتية الفرنسية بعدية عن حادث احتجاز الرهائن الأجانب الذي يحقق لها أكثر من هدف لعل أبرزه، بعد توريط الجزائر وتحقيق قدر من التدويل للأزمة المالية، إعادة توجيه اهتمام الإعلام الفرنسي والدولي نحو متابعة مسلسل احتجاز الرهائن لأيام أو ربما لأسابيع لو لم تسارع السلطات الجزائرية بالحسم السريع.
فالإعلام الفرنسي الذي دخل بيت الطاعة منذ بداية الحملة، وحرم من متابعة مجريات الحرب الجوية والبرية ولو من بطن الدبابة وحاملة الجند كما حصل للإعلام الأمريكي في العدوان على العراق، لم يكن ليهضم بسهولة ما جرى في بلدة “قونا” المالية بعد انسحاب المجموعات المسلحة تحت الضربات الجوية، وتسليم الفرنسيين البلدة للجيش المالي، الذي بدأ في تنفيذ عملية تطهير عرقية ومذابح بشعة، لم يكن فرانسوا هولاند ليتحمل تبعات وصولها إلى الرأي العام الفرنسي والدولي، كما أن المقاومة الشديدة التي واجهت القوات الفرنسية، وسقوط عدد غير معلوم من الجنود الفرنسيين، كان سينسف العملية برمتها، ويضع الإليزيه في حرج كبير أمام رأيه العام، الذي لم يستوعب بعد قرار الرئيس الفرنسي الدخول منفردا في حرب لا يبدو أن حلفاءه الأوروبيين مستعدون لمؤازرته فيها، وقد يرغب بعضهم، مثل الأمريكيين والألمان، في أن يروا فرنسا على يد اليسار تغرق في أوحال حوض نهر النيجر، ورمال صحاري الساحل القاتلة، وتقوم بالعمل القذر كما حصل في ليبيا قبل أن يسحب من تحتها البساط ساعة تقسيم الغنيمة.
.
“دماء الضحايا من المحتجزين، ومنهم مواطنون جزائريون، يتحملها الرئيس الفرنسي بالكامل، ولن يكون بوسعه أو بوسع الدول الغربية إلقاء اللائمة على السلطات الجزائرية، التي لم تتوقف عن تحذير الجميع من أي تدخل عسكري غربي في شمال مالي”.
روائح عبث الدكاكين الاستخباراتية
لنتذكر فقط أن عملية معقدة، مثل تلك التي نفذتها جماعة “الموقعون بالدم” في القاعدة الغازية بعين أمناس، كانت تحتاج إلى أيام من الإعداد اللوجيستي والرصد، وتأمين شركاء من “الجهة الأمنية الخاصة” التي تتولى تأمين قاعدة الحياة النفطية المشتركة بين سوناطراك وشركة بريتش بيتروليوم، فكيف أمكن الترتيب لها بهذه السرعة أقل من 48 ساعة عن الإعلان الفرنسي الكيدي بحصولها على تسهيلات جوية من الجزائر، لو لم يحصل شيء من التنسيق قبل العملية بأيام.
ثم إن اختيار الهدف بحد ذاته يطرح مزيدا من الأسئلة حول احتمال تورط جهات استخباراتية على رأسها جهات فرنسية، لأن المحتجزين، وهم من جنسيات غربية أوروبية وأمريكية ويابانية، كان سيمنح للعملية وهجا إعلاميا خاصا، ويلزم دول الرعايا المحتجزين بالدخول على الخط، وممارسة ضغوط على السلطات الجزائرية، كانت ستقيد حركتها تجاه المعالجة الأمنية، بالقدر الذي يمنح الوقت الكافي لإشغال الإعلام العالمي بحادث الاحتجاز بدل التركيز على ما يجري في البلدات المالية.
.
طريق الاستعمار الجديد المعبد بالدماء
وفي كل الأحوال فإن دماء الضحايا من المحتجزين، ومنهم مواطنون جزائريون، يتحملها الرئيس الفرنسي بالكامل، ولن يكون بوسعه أو بوسع الدول الغربية إلقاء اللائمة على السلطات الجزائرية، التي لم تتوقف عن تحذير الجميع من أي تدخل عسكري في شمال مالي. وبوسع السلطات الجزائرية أن ترد من موقع السيادة بالقول: أنه لا يمكن إدانة تدخلها بالقوة لتحرير مواطنيها وضيوفها المحتجزين، في عدوان نفذ فوق أراضيها على أيدي جماعات متطرفة من عدة جنسيات، ومن نفس الفصائل التي تدعي السلطات الفرنسية أنها تحاربها في مالي دفاعا عن الشعب المالي، وإلا كيف يفسر الرئيس الفرنسي قرار قنبلة مدن وبلدات مالية خارج أي قرار أممي، وتمهيد الطريق أمام العساكر المالية لتنفيذ عمليات تطهير قد تكرر مأساة رواندا، التي كانت فرنسا ودول أوروبية أخرى ضليعة فيها.
وبقدر ما ينبغي للجزائريين أن يقفوا خلف قيادتهم دعما لقرار التدخل بالقوة لحسم عملية مشبوهة، لا نعلم يقينا من يقف وراءها حتى وإن كنا نعرف تحديدا من كان سيستفيد منها، فإنه ينبغي للسلطات الجزائرية أن تثق أكثر في مواطنيها، وتحترم رأيها العام، بتسليط الضوء على قرار السماح للطيران الفرنسي بعبور الأجواء الجزائرية، الذي كان الإعلان الفرنسي عنه بقدر من المكر والخبث مفجرا لحادث عين أمناس، ثم تجدد موقفها برفض أي عبور لأية قوة أراضيها أو أجواءها، ليس فقط كإجراء يتوافق مع مبادئ سياستها الخارجية، بل كضرورة يمليها عليها أمنها القومي، وحماية وحدتها الترابية التي يهددها اليوم وبشكل مباشر التدخل العسكري الفرنسي الاستعماري بامتياز في الأراضي المالية.