دور الفكرة في حركات الإصلاح والتغيير
ينظر الناس في حركات التغيير في العالم، إلى النتائج النهائية المحصل عليها في ذلك، ويغفلون أو يهملون جملة الأنشطة التي كانت سببا في الحصول على تلك النتائج المحققة في الواقع، ونضرب لذلك مثالا توضيحيا، يقال إن جماعة قررت كسر حجر كبير وقرروا التعاون على ذلك، فضرب أحدهم 99 ضربة ولكنه تعب فتوقف، وجاء الثاني فضرب ضربة واحدة فكسر الحجرة، فتم الشكر والثناء لفعل الرجل الذي ضرب ضربة واحدة، واعتبر فعله بطوليا خاصة بالنسبة للذين لم يحضروا إلى صاحب الضربات السابقة، في حين أن الفضل الأكبر كان له قبل الذي أظهر الله على يديه الفعل المطلوب، تلك هي نظرة الناس إلى ما تحققه حركات الإصلاح والتغيير والثورات، من غير انتباه إلى أهمية الجهود التربوية والتعبوية التي سبقت النتائج الحاسمة والظاهرة للعيان.
وما تعيشه البشرية من انبهار وإعجاب منقطع النظير في الكلام عن الثورة الصناعية في الغرب، لا يكاد يشعر أحد من الناس أن ذلك لم يكن لو لم يكن مسبوقا بجهود وتضحيات، ضحت فيها المجتمعات بعلمائها ونخبها وممتلكاتها، وكذلك ما تحقق للبشرية بميلاد الأمة الإسلامية، على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقل مثل ذلك في جميع الثورات التي شهد لها العالم واعترف لها بما أحدثت من قفزات ثقافية واجتماعية ومعرفية.
ولتوضيح هذه الفكرة يمكننا استحضار تجربة الثورة الجزائرية، التي عشنا ذكراها الحادية والسبعين في 1 نوفبمر الماضي، والتي لا نستحضر منها إلى دحر الاستدمار الفرنسي بعد قرن وثلث قرن، أما ما قبل ذلك فلا نكاد نعرف عنه شيئا، وما عرفنا عنها من أحداث وقضايا وحراك سياسي واجتماعي وعسكري، من خلال قراءاتنا لمذكّرات صنّاعها وما كُتب عنهم، لا يكشف لنا عن عبقرية رجالها فيما أبدعوا من أفكار ومسالك كانت سببا فيما تحقق من انتصارات، وكأن هذه الثورة طفرة متفردة ومعجزة مقطوعة الصلة، بمقدمات وجهود متواصلة دامت العشرات من السنين، وكل تركيز على الثورة ونتائجها، دون الرجوع إلى جهود المجتمع الجزائري المتواصلة وربط بعضها ببعض، يضلل الناس عن الحقيقة الكاملة لحقيقة الفعل المسبوق بالفكرة، وثماره المبنية عنه، والاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، وكل تجاهل وإهمال لما قبل الثورة من جهود، لا يصور لنا حقيقة الثورة وأهمية التضحيات التي كانت سببا في جني ثمارها.
ومن الآثار السلبية التي جنيناها على قراءتنا للتاريخ، بسبب التركيز على الثورة دون الانشغال بالنظر إلى الأنشطة التي كانت قبل الثورة، ولم نكتف بذلك وإنما رحنا نفسر تلك الأنشطة السابقة في ضوء الثورة التي كانت ثمرة لها، فقراءتنا لأحداث التاريخ على أنه مجرد “أوفياء وخونة”، تسطيح له وتضليل وحجب للحقيقة التي ينبغي أن نعرفها؛ لأن أحداث التاريخ هي عبارة عن عمليات تفاعل مع الطبيعة والواقع، يمكن أن توصف بالاجتهاد والصواب والخطأ والشجاعة والجبن والقوة والضعف وليست بالضرورة أو يوصف المخطئ والجبان والضعيف بالخائن، أو المصيب والشجاع والقوي بالوفاء؛ بل هي اجتهادات فيما كان متاحا يومها، وليس لأحد من الناس أن يحكم على شيء وقع في التاريخ بمعطيات من خارجه.
عندما فشلت المقاومة المسلحة خلال 76 سنة من مقارعة الاستعمار [1830/1916]، لم يكن هناك بدٌّ من مراجعة هذا الأسلوب الاستنزافي، فكانت فكرة المقاومة السياسية التي وردت على يد الأمير خالد، بمعنى التخلي عن الجهاد المسلح، بسبب تفاوت موازين القوة، وبعد مخاض عسير انقسمت القوى الوطنية إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى: رأت أن المجتمع قد مُسخ بعد قرن من الاحتلال بفعل التجهيل الاستعماري وطغيان الخرافة الذي كرسته الطرق الصوفية المنحرفة، فأصيب المجتمع في عقله وقيمه والدينية والاجتماعية، وأضحى يعتقد -أو هكذا أريد له أن يعتقد- أن الاستعمار دخل قضاء وقدرا وسيخرج قضاء وقدرا، بمعنى أن الوجود الاستعماري قضاء وقدر، ولا دخل للتقصير الإنساني فيه… فركزت هذه الفئة على إعادة بناء هوية المجتمع الجزائري بما يحقق في نفسه المفاصلة بينه وبين الاستعمار الذي حل ببلاده غير مرحَّب به، وقد نشأ نشاط هذه الفئة مع بداية القرن بجهد العلماء بما يعرف بحركة الإصلاح التي ظهرت على يد صالح بن مهنا وبن لونيسي وعبد القادر المجاوي ومن بعدهم ابن باديس وصحبه، وما إن مرّ على الاحتلال قرنٌ وقرر الاحتفال بالذكرى المائة على الاحتلال حتى ظهرت جمعية العلماء كرد فعل على مظلمة الاستعمار الذي توهَّم أنه تحكم في كل شيء ولم يعد ممكنا العودة إلى ما قبل 1830، وثمرة طبيعية للجهود التي بُذلت لتقرير المفاصلة التي حاول الاحتلال طمسها في نفوس الناس.
والفئة الثانية: ظهرت على يد طائفة من النقابيين بفرنسا وهي ما يعرف بالتيار الثوري الاستقلالي، وقد نشأت كتنظيم نقابي بعنوان “نجم شمال إفريقيا”، ثم تحوَّل التنظيم إلى حزب سياسي عُرف بالمطالبة بالاستقلال، وهو شعارٌ رغم أنه غير قابل للتحقق في ذلك الوقت، ولكنه كشعار سياسي زُرع في نفوس الناس كحق طبيعي للإنسان الجزائري الذي استُعمر في ظل واقع دولي ظالم يعمل على استعباد البشر. ورغم أن هذه الفئة كانت تنشط في ظل قوانين الإدارة الاستعمارية، كتنظيم نقابي ثم سياسي، إلا أن أدبياتها كانت متمردة على الواقع الاستعماري، لاسيما في مطلب الاستقلال الذي يعدُّ مناقضا تماما للظاهرة الاستعمارية.
لعل من أهم العبارات التي ينطبق عليها ضعف الوفاء للوطن مقال فرحات عباس “أنا فرنسا”، الذي قرّر فيه عدم وجود شيء يسمى الجزائر! ومع ذلك رد عليه ابن باديس بما يستحق من القول، وبعدها زار فرحات عباس ابن باديس وكتب ابن باديس يثني عن تلك الزيارة وصاحبِها، وقد امتنع محمد الأمين العمودي عن نشر ردِّ مالك بن نبي على مقال فرحات عباس “أنا فرنسا”، وعلَّل ذلك بالخوف على مستقبل زعماء الجزائر، وقد وقع لفرحات عباس من التحول الإيجابي بعد ذلك ما يستحق الذكر.
أما الفئة الثالثة: فهي فئة السياسيين الذين انطلقوا من الواقع وراحوا يبحثون عن كيفية التعامل معه، وكأن هذه الفئة غلب عليها اليأس، بسبب الأوضاع الدولية المعقدة والميثاق الاستعماري الظالم، فراحت تناضل من أجل نيل الحقوق السياسية والاجتماعية، وهم الفئة المعروفة في تاريخنا بدعاة الاندماج، الذين اجتهدوا في أنَّ ما يمكن تحقيقه في ذلك الوقت، هو كيف نحصل على حقوقنا ولو في ظل الدولة الاستعمارية، وربما كان تنظيرهم وفق المتاح سياسيا بعد فشل المقاومة وقلة اليد، فاعتبروا أن مجرد الاستجابة للمطالب يحقق للمجتمع حدا معتبرا من الحريات والضمانات الاجتماعية، ومن هؤلاء التيار الشيوعي والنواب الذين يمارسون السياسة كوكلاء عن الشعب في المجالس البلدية وغيرها من المؤسسات الرسمية، وهؤلاء يشبهون في طروحاتهم المناضلين السود في جنوب إفريقيا الذين سلَّموا بواقع الوجود الأجنبي “العرق الأبيض”، وطروحات السلطة الفلسطينية اليوم التي تناضل من أجل حل الدولتين، نزولا عند مقررات النظام الدولي الظالم.
إن هذه التيارات الثلاثة كانت متفاعلة فيما بينها، وكان جميعها يبدع فيما رآه مناسبا من جانبه، ولم تخطر فكرة التخوين على بال أحد إلا بين الرعاع من الناس، أما بين الكبار فلم يكن لها وجود؛ بل كانت بينهم لقاءاتٌ وتشاور فيما يقومون به من أنشطة لصالح المسألة الوطنية، ففرحات عباس كانت له لقاءاتٌ مع مصالي على ما بينهما من تباعد في الطرح، ومع ذلك كانا يلتقيان ويتناقشان، يقول عباس فرحات “عندما عرضتُ قناعاتي على مصالي وهي فكرة المطالبة، قال لي: فرنسا لن تعطيك شيئا”، وعلق على هذا القول بقوله “وقد كان محقا” (il avait raison)،ومن جانب آخر خاصة فيما يتعلق بالتصريحات وخطورتها، لعل من أهم العبارات التي ينطبق عليها ضعف الوفاء للوطن مقال فرحات عباس “أنا فرنسا”، الذي قرّر فيه عدم وجود شيء يسمى الجزائر! ومع ذلك رد عليه ابن باديس بما يستحق من القول، وبعدها زار فرحات عباس ابن باديس وكتب ابن باديس يثني عن تلك الزيارة وصاحبِها، وقد امتنع محمد الأمين العمودي عن نشر ردِّ مالك بن نبي على مقال فرحات عباس “أنا فرنسا”، وعلَّل ذلك بالخوف على مستقبل زعماء الجزائر، وقد وقع لفرحات عباس من التحول الإيجابي بعد ذلك ما يستحق الذكر، وخاصة بعد المؤتمر الإسلامي الذي عُقد سنة 1936، بما يعبّر عن صدق الرجل فيما كان يناضل من أجله.
وعليه لا أرى من الوفاء للحركة الوطنية أن تُفصَل هذه الجهود الممهِّدة للثورة عن الثورة نفسها؛ بل إن الحركة الوطنية هي كل تلك الجهود، وكل فصل لجهد عن غيره من الجهود، أو قمع لطرف من أطرافها، يعدُّ خيانة للفكرة وللمجتمع ومصيره.
لا شك أن في هذه التوجهات أخطاءً ومزالقَ كثيرة وتصريحات لشخصيات تضرُّ بشخصيات أخرى وخيارات سياسية، يصعب تفسيرها، ولكنها ليست خيانات يساء بها الظن، مهما كانت هذه الأخطاء، ما دامت في ظل النشاط من أجل الجزائر والشعب الجزائري، ومن ثم ينبغي أن لا نحمل الأمر أكثر من كونه خطأ يمحوه الصواب الذي بعده، أما الفكرة من حيث هي، فلا بد من الحفاظ عليها إطارا تمهيديا لكل ما يأتي بعده من نجاحات وفوز مستحق.