-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دولة تملكها دولة لا نملكها

حبيب راشدين
  • 2942
  • 13
دولة تملكها دولة لا نملكها

لا أدري‮ ‬ما الذي‮ ‬كان‮ ‬يفكر فيه صانع القرار،‮ ‬حين اختار تاريخ تأميم المحروقات ليكون عيدا مزدوجا لنقيضين‮: ‬العمل والريع،‮ ‬لأن أربعة وأربعين شتاءً‮ ‬مضت على الحدث شهدت نماء وازدهار مصدر الريع،‮ ‬وارتفعت أسعاره وقيمته في‮ ‬السوق،‮ ‬كما في‮ ‬مخيلة الحكام،‮ ‬وفي‮ ‬شبكة تطلعات المواطنين،‮ ‬فيما تراجعت قيمة العمل بنسب عكسية مضطردة،‮ ‬وباتت معظم الحركات الاحتجاجية هي‮ ‬من صنع الموظفين على الفتات من ريع المحروقات،‮ ‬فيما ترك العمال المنتجون ـ إن وُجدوا ـ‮ ‬يقاتلون على جبهتين‮: ‬جبهة الحفاظ على منصب الشغل الهش،‮ ‬وجبهة العراك اليومي‮ ‬مع آلة التضخم التي‮ ‬تدار تروسها بين الحكومة وموظفيها‮.‬

وقد‮ ‬يحسن بنا أن نقارن بين نسبة مساهمة العمل في‮ ‬الدخل القومي‮ ‬في‮ ‬السنوات العجاف،‮ ‬حين كانت ثروتنا النفطية ما تزال تحت الاحتلال،‮ ‬تتحكم فيها شركة طوطال وأخواتها،‮ ‬وبين نماء اعتماد الدولة على ريع المحروقات وتحررها،‮ ‬بعد التأميم،‮ ‬من إصر التعويل على عوائد الإنتاج،‮ ‬كما حررها بالمناسبة من استحقاقاتها تجاه المواطن الفاقد لصفة دافع الضرائب‮.‬

مع ميلاد سوناطراك،‮ ‬وُلدت دولة جديدة،‮ ‬مهيمنة،‮ ‬مستبدّة بالقرار،‮ ‬تعلم مسبقا أن ميزانيتها مضمونة،‮ ‬لا تدين فيها لا لدافعي‮ ‬الضرائب،‮ ‬ولا إلى العمل المنتج،‮ ‬ومادامت عوائد سوناطراك تغطي‮ ‬97‭ ‬في‮ ‬المائة من مداخيل الدولة،‮ ‬فلا شيء كان‮ ‬يجبر وقتها أرباب الدولة على المساومة أو المداهنة،‮ ‬أو البحث في‮ ‬تطوير الشراكة مع القوى الممثلة لأطياف الشعب‮.‬

بالمفهوم العصري‮ ‬للدولة الحديثة،‮ ‬التي‮ ‬تُموَّل بأموال دافعي‮ ‬الضرائب،‮ ‬وتدين لهم بحق مراجعتها في‮ ‬صرف المال العام،‮ ‬فإن المواطن الجزائري،‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يساهم سوى بنسبة‮ ‬3‮ ‬في‮ ‬المائة في‮ ‬جباية الدولة،‮ ‬يكون قد فقد حق مراجعة الدولة في‮ ‬صرف المال العام الذي‮ ‬ينتجه‮ “‬مواطنٌ‮ ‬صالح‮” ‬واحد اسمه سوناطراك،‮ ‬وأنه كان‮ ‬يفترض على المواطن الجزائري‮ ‬ـ قبل المطالبة بالشراكة في‮ ‬إدارة‮  ‬الدولة،‮ ‬ومراجعة انفاق الحكومات لريع المحروقات ـ أن‮ ‬يطالب بتوثيق ملكيته الأصيلة لسوناطراك،‮ ‬مصدر إنتاج الريع الوحيد،‮ ‬وقد تحولت مع الزمن من‮ “‬ملكية عمومية‮” ‬لدولة لا نملكها،‮ ‬إلى ملكية خاصة‮ ‬يتقاسم ريعها حفنة من أرباب الدولة،‮ ‬وطائفة من الخدم في‮ ‬الحاشية،‮ ‬وأنه لا سبيل إلى استعادة ملكية المواطن لدولته،‮ ‬قبل استعادة ملكيته المباشرة لسوناطراك،‮ ‬بتحويلها إلى شركة مساهمة شعبية،‮ ‬يملك فيها كل مواطن سهما‮ ‬يمنحه صفة‮ “‬دافع ضرائب‮” ‬حقيقي،‮ ‬له الحق ليس فقط في‮ ‬اختيار مجلس إدارة الشركة،‮ ‬بل‮ ‬يمتلك بالضرورة حق تعيين وإقالة الحكومات المفوّضة في‮ ‬صرف المال العام المستخلص من الجباية‮. ‬

هاهنا طريقٌ‮ ‬آخر آمن لبناء دولة ديموقراطية حقيقية،‮ ‬نقترحه على المعارضة،‮ ‬سوف‮ ‬يسمح بتفكيك أسطورة‮ “‬حكم الشعب بالشعب من أجل الشعب‮” ‬التي‮ ‬صنعتها الرأسمالية الليبرالية الغربية،‮ ‬وتعرية أكذوبة‮ “‬الملكية العمومية‮” ‬التي‮ ‬ابتدعتها رأسمالية الدولة في‮ ‬الدول الشمولية،‮ ‬لنعلم أن الطريق الأسهل والأقصر لقصر المرادية‮  ‬وملاحقه بالحكومة،‮ ‬يمر حتما بإعادة تأميم سوناطراك،‮ ‬وتمليكها للمواطنين بعقد موثق،‮ ‬لا نحتاج بعده للقتال بالدم على السلطة،‮ ‬التي‮ ‬تكون وقتها مجرّد أجير عند شركة قد صارت ملكا أصيلا بيد المواطنين‮.‬

‭ ‬وقتها فقط‮ ‬يحق لنا أن نزاوج بين ذكرى تأميم ثروة المحروقات وعيد العمال،‮ ‬لأن الرئيس والوزير والوالي‮ ‬يكونون وقتها مثل العامل البسيط‮: ‬أجراء عند رب عمل واحد اسمه سوناطراك‮.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
13
  • moh

    Il ne faut pas dire des contre vérités, les énergies renouvelables coutent chères et il faut investir dans la recherche pour la maitrise de la technologie. Le gaz de schiste hormis le fait qu'il pose un problème environnementale qu'il faut maitriser est à notre portée. Il ne faut pas exploiter l'inquiétude légitime de la population à des fins politiciennes. Souvent sous la casquette d'expert se cache une position d'ordre politique

  • بدون اسم

    بل أعني فكر العبيد الذي تحمله

  • dahbani benmehidi

    أحي الأستاذ راشدين على القال القيم و أحي فيه روح التحليل الاقتصادي و السياسي

  • بدون اسم

    ها أنت تمنع عنا حتى المواطنة التي ليست ملكا للذين نهبوا وسرقوا وأفسدوا.إن كنت تعني أندجان صاحب الأرض فهذا فخر واعتزاز وإن كنت تريد الفقير فلأنني لم أملك إلا كرامتي ووطنيتي.

  • djilani

    و الله ،وانت تعلم ذلك ان النية كانت صادقة على الاقل في حكم الهواري، لكن التكوين الاداري الذي رسخته فرنسا لما شعرت بان الجزائر توشك على استرجاع سيادتها، لكن لا بد من زرع فيروس ينخر خيراتها لعلها يوم ما تعود بطلب من من طردها في زمن ما.لا تختلف سوناطراك عن بقي الصونات و ضف اليهم الثورة الزراعية و الصناعية و الثقافية،الجسم الذي يسكنه فروس قاتل وليومنا هذا ما زلنا نعيش او قد تفش كثيرا رغم وجود العلاج و الدواء لكن استعمل الدواء المتجانس، فكبرت الفجوة واصبح سرطان، و ما عجزت عنه فرنسا طيلة قرن اثنين وثل

  • بدون اسم

    تفكير أنديجان وليس مواطن

  • مواطن

    قيل"أعداء العربية هم العرب وأعداء الفكر هم النخبة وأعداء الاشتراكية هم المستفيدون منها"أطرح سؤالا واحدا لصاحب المقال:لو لم تبن المدارس والجامعات بفضل الاشتراكية هل كان يسمح لك بالتعلم وقد تركنا الاستعمار أميين بنسبة مخزية؟لقد استفدتم من خيرات الوطن بفضل نظام كان يرعى مصالح الطبقة المغلوبة على أمرها.أما الريع الذي تتكلم عنه فهو من صنع الطبقة البرجوازية وكل سفاكي دماء المجتمع والذين انتهزوا ضعف السلطة فتقاسموا ممتلكات الدولة وأنشأوا لأنفسهم إقطاعيات ونهبوا خزينة الدولة وتتكلم عن مزايا الرأسمالية..

  • faycal

    شكرا على اقتراحاتك سيدى

  • بلقاسم

    بصراحة أراحتني مقالاتكم لنعبيرها على ما في الصميم شكررا

  • بلقاسم

    حافظ على كلمة أنا وانس كلمة نحن في مثل قولك هذا ولا تعمم

  • Ahmed

    دائما اتابع ما يكتب الاستاذ راشدين لكن مقال اليوم هو فصل الخطاب
    ان كل المهازل سببها الريع اللذي اوصل الرعاع التطاول في البنيان

  • بدون اسم

    votre analyse est innovante

  • rida21

    هي فكرة جيدة، لكن في ظل العولمة وسيادة الشركات المتعددة الجنسيات التي سبقت الشعب إلى شراء سونطراك بعقود مسبقة وفرضت سيادتها وقوانينهاوقوتها.
    السياسة هي عمل هي وعي هي علم هي قوة وكل هذا لا يتوفر في شعبنا الذي فعل فيه الجهل ما فعل ثم دمره الأعداء من الداخل وأعداءه ليسوا أشخاص ولكن عدوه الأول الجهل والثاني الطمع والثالث الأمل والرابع الذل والخامس سوء الخلق.
    نحن قوم أذلة أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غير دين الله أدلنا الله وسلط علينا جهالنا ثم سلط الطامعين إلى قصعة البترول فماذا ننتظر