دولة تملكها دولة لا نملكها
لا أدري ما الذي كان يفكر فيه صانع القرار، حين اختار تاريخ تأميم المحروقات ليكون عيدا مزدوجا لنقيضين: العمل والريع، لأن أربعة وأربعين شتاءً مضت على الحدث شهدت نماء وازدهار مصدر الريع، وارتفعت أسعاره وقيمته في السوق، كما في مخيلة الحكام، وفي شبكة تطلعات المواطنين، فيما تراجعت قيمة العمل بنسب عكسية مضطردة، وباتت معظم الحركات الاحتجاجية هي من صنع الموظفين على الفتات من ريع المحروقات، فيما ترك العمال المنتجون ـ إن وُجدوا ـ يقاتلون على جبهتين: جبهة الحفاظ على منصب الشغل الهش، وجبهة العراك اليومي مع آلة التضخم التي تدار تروسها بين الحكومة وموظفيها.
وقد يحسن بنا أن نقارن بين نسبة مساهمة العمل في الدخل القومي في السنوات العجاف، حين كانت ثروتنا النفطية ما تزال تحت الاحتلال، تتحكم فيها شركة طوطال وأخواتها، وبين نماء اعتماد الدولة على ريع المحروقات وتحررها، بعد التأميم، من إصر التعويل على عوائد الإنتاج، كما حررها بالمناسبة من استحقاقاتها تجاه المواطن الفاقد لصفة دافع الضرائب.
مع ميلاد سوناطراك، وُلدت دولة جديدة، مهيمنة، مستبدّة بالقرار، تعلم مسبقا أن ميزانيتها مضمونة، لا تدين فيها لا لدافعي الضرائب، ولا إلى العمل المنتج، ومادامت عوائد سوناطراك تغطي 97 في المائة من مداخيل الدولة، فلا شيء كان يجبر وقتها أرباب الدولة على المساومة أو المداهنة، أو البحث في تطوير الشراكة مع القوى الممثلة لأطياف الشعب.
بالمفهوم العصري للدولة الحديثة، التي تُموَّل بأموال دافعي الضرائب، وتدين لهم بحق مراجعتها في صرف المال العام، فإن المواطن الجزائري، الذي لا يساهم سوى بنسبة 3 في المائة في جباية الدولة، يكون قد فقد حق مراجعة الدولة في صرف المال العام الذي ينتجه “مواطنٌ صالح” واحد اسمه سوناطراك، وأنه كان يفترض على المواطن الجزائري ـ قبل المطالبة بالشراكة في إدارة الدولة، ومراجعة انفاق الحكومات لريع المحروقات ـ أن يطالب بتوثيق ملكيته الأصيلة لسوناطراك، مصدر إنتاج الريع الوحيد، وقد تحولت مع الزمن من “ملكية عمومية” لدولة لا نملكها، إلى ملكية خاصة يتقاسم ريعها حفنة من أرباب الدولة، وطائفة من الخدم في الحاشية، وأنه لا سبيل إلى استعادة ملكية المواطن لدولته، قبل استعادة ملكيته المباشرة لسوناطراك، بتحويلها إلى شركة مساهمة شعبية، يملك فيها كل مواطن سهما يمنحه صفة “دافع ضرائب” حقيقي، له الحق ليس فقط في اختيار مجلس إدارة الشركة، بل يمتلك بالضرورة حق تعيين وإقالة الحكومات المفوّضة في صرف المال العام المستخلص من الجباية.
هاهنا طريقٌ آخر آمن لبناء دولة ديموقراطية حقيقية، نقترحه على المعارضة، سوف يسمح بتفكيك أسطورة “حكم الشعب بالشعب من أجل الشعب” التي صنعتها الرأسمالية الليبرالية الغربية، وتعرية أكذوبة “الملكية العمومية” التي ابتدعتها رأسمالية الدولة في الدول الشمولية، لنعلم أن الطريق الأسهل والأقصر لقصر المرادية وملاحقه بالحكومة، يمر حتما بإعادة تأميم سوناطراك، وتمليكها للمواطنين بعقد موثق، لا نحتاج بعده للقتال بالدم على السلطة، التي تكون وقتها مجرّد أجير عند شركة قد صارت ملكا أصيلا بيد المواطنين.
وقتها فقط يحق لنا أن نزاوج بين ذكرى تأميم ثروة المحروقات وعيد العمال، لأن الرئيس والوزير والوالي يكونون وقتها مثل العامل البسيط: أجراء عند رب عمل واحد اسمه سوناطراك.