الرأي

دولة ردود الفعل

الشروق أونلاين
  • 2936
  • 6

حالة السلطة في الجزائر لا تختلف عن فريق الكرة الذي لا همّ له سوى تحجيم الخسارة، من خلال دخوله ميدان اللعبة لتقليل الأضرار، عبر خطة دفاعية تتماشى مع هجمات المنافسين، بسد كل الثغرات التي يفتحها مهاجمو الفريق المنافس، وهي سلطة رد فعل بامتياز.

  رغم أن أساس الدولة عبر العصور وفي كل الأماكن هو الفعل فقط، وتكاد الزيارات التي يقوم بها الوزراء وحتى الوزير الأول في الفترة الأخيرة تختصر في كونها من وحي اللحظة والحدث، فكان لزاما أن تحدث مأساة هارون وإبراهيم في قسنطينة، لتزور وزيرة التضامن عاصمة الشرق، وكان لزاما أن يتحرك الشارع في الجنوب ليولّي الوزراء وجوههم شطر هذا الثلث الخالي المنسي، والأمر انتقل إلى صغار المسؤولين من ولاة ورؤساء المجالس الشعبية والمديرين الولائيين الذين لعبوا في السنوات الأخيرة دور رجل المطافئ الذي ينتقل من مكان إلى آخر، ليس لأجل العمل ضمن برنامج مدروس وإنما لأجل رد الفعل على شكاوى المواطنين، فتجد الوالي مجبر على التضحية بأموال مشروع مركز ثقافي لأجل تزويد سكان قرية بالغاز الطبيعي بعد احتجاجهم، وترى رئيس البلدية مجبر على التضحية بمشروع الإنارة العمومية، لأن السكان طالبوه بالسكن الريفي، وهو ما يعني أن المسؤول عندنا لا برنامج له، وهو رهن مطالب المواطنين الذين تحركها الإحتجاجات، رغم اعتراف المواطنين قبل السلطة بأن غالبية الاحتجاجات وكرنفالات التهديد بالانتحار بالحرق والذبح، إنما هي تهريج، يصاحبه تهريج لا يقل بشاعة من سلطة فقدت القدرة على التفكير في بعث مشاريع قومية كبرى تُخرج البلاد من هاته الحلقة التي لولا ريع النفط لتحولت إلى محرقة.

في ماليزيا وفي تركيا وفي غيرهما من الأمصار، تمكنت الحكومات من بعث مشاريع قومية ضخمة ساهمت فيها السلطة والشعب، وعادت فيها الفائدة المادية والمعنوية للسلطة والشعب، من خلال برامج تنموية حرّرت هذه الأوطان من التبعية لبقية البلدان في مجالات زراعية وصناعية وفكرية كثيرة، وكانت للجزائر في زمن اللانفط في السبعينات مشاريع قومية حتى وإن لم يتحقق لها النجاح بسبب الإهمال وأحيانا بسبب نقص الموارد المائية، مثل مشروع السد الأخضر الذي اقترحه المفكر مالك بن نبي وباشر هواري بومدين في إنجازه، ولو تحقق كما خطط له باعثه، لما اندلعت أحداث الصحراء، ولكان للجزائر ذهب أخضر خالد ينافس الذهب الأسود الفاني، وللأسف عندما توفرت الأموال وفاضت، صار نصفها يذهب في الاختلاسات، وخاصة الإختلاسات المقننة، والباقي في مشاريع الورق التي تعتمد على الأرقام فقط، وليت الأمر توقف عند حدود الدولة فحتى الأحزاب التي تدعي المعارضة لا فعل لها ولا برامج وهي لا تختلف عن دولة ردود الفعل، وبإمكان المواطن أن يتكهن من الآن بمسرى وتعريج المترشحين للرئاسيات القادمة إلى الجنوب في رد فعل لكسب الأصوات بعد أن سقطت كلمة الجنوب من قواميسهم السياسية منذ أن حلموا بمقاعد المسؤوليات، ويبقى الفارق الأساس بين الفريق الذي يدافع عن مرماه، ودولة ردود الفعل، أن الفريق يخسر لعبة كرة فقط، بينما تخسر الدولة الجد والمستقبل.

مقالات ذات صلة