الرأي

رأيُ الإمام الإبراهيمي في البوصيري

في يوم 24/ 2/ 20210 نشرتُ كلمة في جريدة “الشروق اليومي” تحت عنوان “أعظمُ مادحٍ لأعظم ممدوحٍ”، وأعني بالممدوح من قال فيه شاعر:
وما محلُّ فمي والشعر حيث أتى مدحٌ من الله متلوٌّ بكلِّ فم
وهو أشرفُ وأفضل من قذفته رحمٌ، وسَعت به قدمٌ، صلى اللهُ عليه وسلّم؛ وأعني بالمادحِ هذا الشاعر الذي مدح هذا الممدوحَ بما لم يلحق به لاحقٌ من فُحول الشِّعر؛ أي محمد بن سعيد بن حمّاد المعروف بـ”البوصيري”، نِسبة إلى بلدة “بوصير” في مصر، ولكنّ أوائلَه من قبيلة صنهاجة الأمازيغية، من نواحي المسيلة. وقد وُلد في 608 هـ (1212 م)، وتوفّاه اللهُ –عزّ وجلّ- في سنة 696 هـ (1296 م).
وللبوصيري قصائد عصماء في مدح رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أشهرها قصيدة “البُردة” التي سمّاها “الكواكب الدُّرِّية في مدح خير البريَّة” التي عدّها صيارفةُ الكلام “دُرَّة ديوان شعر المديح في الإسلام”، إذ نالت من الشهرة والانتشار ما لم تنلهُ قصيدة أخرى، وقد تبارى الشعراءُ قديما وحديثا في تقليدها والنَّسجِ على منوالها، وأشهرُهم الشاعر أحمد شوقي في قصيدته التي سمّاها “نهج البردة”، معتذرا للإمام البوصيري بقوله:
اللهُ يشهد أني لا أعارضه من ذا يعارضُ صوبَ العارض العرمِ؟
بعضُ الإخوة السلفيين انتقدوا البوصيري نقدا شديدا، وبدّعوه، وضلّلوه، وجعلوه من الذين يساقون إلى جهنّم زُمرا، لأنّه –في فهمهم- نسب إلى رسول الله –صلى اللهُ عليه وسلّم- ما لا يجوز إلا لله عزّ وجلّ.
لكنّ السلفيين ليسوا سواء في الفهم، فمنهم السابق، ومنهم المقتصِد، ومنهم دون ذلك، ومن هؤلاء السلفيين سلفيٌّ ذو نظرٍ حديد، ورأي سديد، وفكر وقّاد، وقلم سيّال، ولسان قوّال، وداعية إلى الإسلام، قرآنا وسنة، ومجاهدٌ في سبيلهما، يرى في البوصيري ما لا يراه هؤلاء الذين لا يرون السلفية إلا مظاهر لا جواهر، إنّه الإمامُ السلفيُّ محمد البشير الإبراهيمي، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ونائبُ رئيسِها الأول السلفي الإمام عبد الحميد ابن باديس.
رأيُ الإمام الإبراهيمي في “بُردة” البوصيري ضمّنه مقدِّمة قدَّم بها كتاب “طراز البُردة”، وهو شرحٌ لها ألّفه الأستاذ محمد كامل عبد العظيم من مصر، وذلك بتاريخ 10 من شعبان سنة 1377 هـ.
يعدُّ الإمام الإبراهيمي البوصيري “إمام المادحين”، ومقدمَ كتائبهم، وحامل لوائهم على الإطلاق، فاق جميع من تقدَّمه ومن تأخَّر عنه إلى عصرنا هذا”. “والبوصيري يعدُّ في طليعة علماء السيرة وعلماء الدين والمؤرِّخين للأديان”. ثمّ أفادنا الإمامُ الإبراهيمي بأنّ “ممّن اعتنى بها من الأئمّة وشرحها شرحا واسعا عالم الدنيا الإمام أبو عبد الله بن مروان الجد العَجيسي التلمساني… وقد وقفتُ على قطعة من شرحه لها في مدينة تلمسان يوم كنتُ بها سنة 1945″.
أشكر شكرا جزيلا الأستاذ هميسي من جامعة وادي سوف الذي تفضَّل وأرسل إلي صورة من مقدِّمة الإمام الإبراهيمي لهذا الكتاب. ورحم اللهُ الإمام البوصيري وحشره –ونحن جميعا- مع ممدوحه صلى اللهُ عليه وسلّم. و”إلى محمدٍ أيتها الإنسانية” كما دعا الإمامُ عبد الحميد ابن باديس.

مقالات ذات صلة