رؤوس الفتنة والفساد في الجزائر
هل سأل أحد منا نفسه ذات يوم عن رؤوس الفتنة والفساد في الجزائر؟ وماذا سيكون الموقف إذا اكتشفنا أن الفساد “مؤسسة” داخل مؤسسات الدولة مثل أخطبوط ممتد في الأحزاب والسياسة والمجتمع المدني، والثقافة والدين والمال والاقتصاد والتجارة.
فتحت أي غطاء يختبئ رؤوس الفتنة، ومن يقف وراء الفساد؟
من هم أصحاب القرار؟
كان الاعتقاد السائد لدى أغلبية المتتبعين للشأن الجزائري بأن الشاذلي بن جديد كان أول رئيس يفصل بين السياسي والعسكري، إلا أن العارفين بخبايا الصراع يكتشفون أن ما قام به سهّل مهمة الجنرال خالد نزار في الإطاحة به، وفتح الصراع بين ما يسمى بضباط فرنسا وضباط جيش التحرير في المؤسسة العسكرية.
وأول ضحاياه هو الشهيد محمد بوضياف، ولا داعي للتذكير بما حدث بين الجنرال عطايلية والجنرال خالد نزار.
لكن ما علاقة هذا الموضوع بـ “رؤوس الفتنة والفساد في الجزائر”؟
يذهب الكثير من الملاحظين إلى أن النظام العربي، ومنه النظام الجزائري، مبني على افتعال الأزمات والحكم باسم التوازنات الجهوية للتمويه على أصحاب الحل والعقد.
فالأنظمة الملكية قامت على الصراع داخل الأسرة الحاكمة أو ورثة العرش للحفاظ على “الذات الملكية والسمو الأميري” باعتبار صاحبه هو صاحب القرار في المؤسسة الملكية.
ولا غرابة حين تسمى بعض الأقطار العربية بأسماء القبائل الحاكمة.
وكان الانقلاب يحدث على الآباء عبر التصفية الجسدية أو النفي، وعلى الأبناء بنقل السلطة إلى من يرضى عنه الملك.
ومعظم الملوك العرب جعلوا أنفسهم ينحدرون من “الأسرة النبوية” لإعطاء شرعية للحكم.
وعندما كان العالم منقسما ما بين الكتلة الرأسمالية والكتلة الاشتراكية، وجد الملوك والأمراء أنفسهم تحت الحماية الأمريكية غصبا عنهم.
أما الأنظمة الرئاسية فكانت دولا عسكرية أو بوليسية.
فالنظام الجزائري أخذ بالقانون الفرنسي ولم يأخذ بالديمقراطية الفرنسية، اعتمد على ضباط فرنسا لبناء مؤسسة عسكرية في ركب الاتحاد السوفياتي، ودعا إلى اعتماد 19 مارس 1962 تاريخ توقيف القتال مع فرنسا يوما للنصر، عوض 5 جويلية 1962 يوم تثبيت نتائج الاستفتاء على تقرير المصير، واختارت فرنسا هذا التاريخ لأنه يثبت تاريخ توقيع الداي حسين على وثيقة الاستسلام في 5 جويلية 1830، وأول وثيقة تهدى للجزائر هو “ختم الداي حسين” المختومة به وثيقة العار.
لكن 5 جويلية هو كذلك تاريخ اجتماع مجموعة 22 التي اتخذت قرار الثورة التي اندلعت في الفاتح من نوفمبر 1954.
كان يفترض أن نحتفل بـ 19 سبتمبر 1958 لأنه يمثل ميلاد أول حكومة جزائرية بعد 128 سنة من الاحتلال الفرنسي للجزائر.
وكان يفترض أن نضع حدا لرؤوس الفتنة الذين يروّجون لمقولة أن ديغول هو الذي منح للجزائر الاستقلال، وعندما يوقع رجل قانون مثل محمد بجاوي رسالة إلى جانب شخصيات عربية أخرى تحمل هذا المضمون، فهذا دليل آخر على أن هناك من لا يريد للجزائر أن تتخلص من التبعية لفرنسا.
وهذا “اللوبي الفرنسي الجزائر” هو أحد رؤوس الفساد في الجزائر، يكفي أن فاتورة الدواء المستورد من فرنسا تبلغ خمسة أضعاف الفاتورة نفسها إذا استوردت من إيطاليا أو تركيا أو الأردن.
وكل من عالجوا في فرنسا من المجاهدين عادوا في توابيت إلى الجزائر، بينما من عالجوا في بلجيكا أو سويسرا أو ألمانيا عادوا أحياء، فهل هذا صدفة أم قدر إلهي، وأول من رفض العلاج في فرنسا هو علي مهساس، أطال الله في عمره.
.. حتى العقيد لطفي يهان في قبره
ومن المفارقات العجيبة أن أغلب الشهداء أهينوا بدءا من عميروش وسي الحواس وانتهاء بالعقيد لطفي. تصوروا معي أن لطفي المدعو دغين علي الذي التحق بصفوف الثورة عام 1955 وهو في الثانوية ليستشهد يوم 27 مارس 1960 يترك لنا كتابا في الاقتصاد، والمفارقة الغريبة هي “نظرة العقيد لطفي المستقبلية للتنمية الاقتصادية” وهو كتاب بالفرنسية من ثمانية فصول يتحدث عن الاقتصاد الراهن للجزائر، والذين نسبوا هذا البحث إلى العقيد لطفي أرادوا إهانته في القبر. لأنهم لم يكتفوا بالكتابة باسمه، وإنما لجأوا إلى السطو على صور من كتاب مذكرات الرئيس علي كافي.
ولو تأمل من يقفون وراء هذا الكتاب في الرسالة المنشورة في الكتاب نفسه والمنقولة عن كتاب كافي، لوجدوا الإجابة فهو يوصي كافي بضرورة البحث عن إطارات المستقبل حتى لا يكون لـ “الجزائر أبناك (كراسي) في عوض مسؤولين”.
ثنائية الصراع وثلاثية الحكم
يأتي الفساد نتيجة حتمية للانغلاق في مجالات السياسة والإعلام والثقافة والمجتمع المدني، فحين يصير عنوان الحزب يباع في المزاد، وعنوان الجريدة أو المجلة يشترى من السوق، ويصبح الصراع داخل الحزب على المسؤولية وليس حول الأفكار، فلمن ستقرأ زبورك يا داوود؟
الصراع الأبدي ثناني بين الخير والشر واليمين واليسار، ودائما هناك اتجاه وسط. وأغلب الدراسات السياسية في العالم تقسم الأحزاب إلى يمين ويسار ووسط، إلا في الجامعات الجزائرية حيث تدرس الأحزاب السياسية على أساس آخر: إسلامي ووطني ولائكي، وكأن الإسلام يتناقض مع الوطنية واللائكية أو كأن الوطنية تتناقض مع الإسلام واللائكية.
والسبب في تقديرنا هو أن الرئيس الفرنسي ساركوزي حوّل اللائكية من مجرد أداة للحكم إلى عقيدة دينية، فهناك مشروع قانون جديد يفرض على الأجانب ممن يريدون الحصول على الجنسية الفرنسية “تعهدا خطيا باحترام العلمانية” بل إن أصحاب الجنسية المكتسبة قد يفقدونها إذا ما تعرضوا لـ “أي شخص لديه سلطة عمومية” وهو يعني أن العدالة فقدت وجودها في فرنسا.
يختبئ رؤوس الفتنة في الجزائر تحت شعار “الوطنية” ويرتدون برنوس الولاء لفرنسا حتى في إنقاذ مؤسساتها من الانهيار على حساب الجزائر. والصراع المفتعل بين “المرادية وتاڤارة” كان من افتعال خالد نزار ومحمد العماري، لإخفاء الصراع الحقيقي بين فرنسا الجزائرية والجزائر الفرنسية، بالرغم من أن المعنى واحد.
لقد كان التحالف بين ما يسمى بالتيار اللائكي البربري ومن أوقفوا المسار الانتخابي في 11 جانفي 1992، ودفعنا الثمن غاليا، وجاء بعده التحالف بين المال والمصالح والمؤسسة الرئاسية، واليوم ندخل عهدا جديدا بتحالف جديد وهو بين مال المخدرات ومال الإرهابيين والمشرفين على المال العام.
وهذا التحالف الجديد بدأ بتبييض الأموال وإلغاء التداول على السلطة، وحرب “الملفات”.
فمن يقف وراء ذلك هم رؤوس الفتنة والفساد، وإعلان الحرب عليهم يحتاج إلى فتح المجال السياسي بإعطاء الاعتمادات للأحزاب والمجتمع المدني، وفتح المجال الإعلامي بإعطاء التصاريح بإنشاء الصحف، وتطبيق قانون الإعلام لعام 1990 الذي يسمح بإنشاء محطات إذاعية وتلفزيونية، وتحرير “المحميات” في كل من نادي الصنوبر وموريتي وغيرها.
وللحديث بقية