رئيس مخابرات المغرب “ُيفاوض” عسكريين وسياسيين من الزنتان في القصر الملكي
تعاني منطقة ورشفانة اليوم من تهجير آلاف العائلات التي هُدمت منازلها، وكم بقيت مستغربة وأنا أقف على أنقاض منازل مواطنين تم تفخيخها وتفجيرها وعمارات تم حرقها بالكامل، وأخرى كتبت على أسوارها شتائم ووعيد بانتقام أكبر.
المنطقة الغربية أو ما يعرف بغرفة العمليات الكبرى بمنطقة الزنتان، الغرفة التي بقيت صامدة لأكثر من سنة في وجه الزحف والضربات الموجهة ضدها من طرف ميليشيات “فجر ليبيا” التي تقودها مصراته، هذه الأخيرة التي يعاب عليها أنها قبلت ذات يوم التحالف مع “أنصار الشريعة” في العاصمة الليبية طرابلس، وهذا لمواجهة منطقة الزنتان التي كانت تحاول استرجاع العاصمة بعد أن سقطت في يد الإخوان الذين رفضوا التخلي عن السلطة والخروج من قبة المؤتمر الوطني، ما قلب الموازين وجعل مصراته محل تشكيك ونقد حتى من قبل الأطراف الدولية التي صنفت “أنصار الشريعة” على أنها مجموعات إرهابية.
هذا الأمر جعل مصراته في وجه المدفع محاوِلة إعادة حساباتها وترتيب أجندتها من جديد حتى عن طريق تصفيات لقادتها داخل الجبهات، وهو ما أسرّه لنا أحد القادة الذي فضح خيانات داخلية تحدث داخل جبهاتهم بهدف استرجاع صورة شباب مصراته الذين كانوا من بين من قادوا ثورة الـ17 فبراير، الثورة التي أطاحت بالعقيد الراحل معمر القذافي.
ميليشيات أم جيش؟
بعد خسارة الإخوان المسلمين معركتهم الانتخابية في ليبيا، لم يجدوا من قوة تساندهم للبقاء في السلطة سوى منطقة مصراته بحكم الكثافة السكانية وبقاء قواتها المسلحة في العاصمة، وهي القوة التي لقيت الدعم، حسب مصادرنا، من قِبل الدول المساندة لنظام الإخوان مثل تركيا وقطر وغيرها، دولٌ سلّحتهم عن طريق مطار معيتيقة وميناء مصراته وحتى عن طريق استقطاب مقاتلين من خارج ليبيا، وهو ما يعتبر عبد الحكيم بلحاج الرقم الرئيسي فيه، ولا ننسى أن هذا الرجل يعتبر جهاديا سابقا بالمجموعات الإسلامية المسلحة التي تسمى“الجماعة الإسلامية المقاتلة“، بحيث أسرّت بعض مصادرنا أن بلحاج كثيرا ما غادر ليبيا باتجاه دول غربية هدفها زعزعة الأمن بالداخل وفرض حكومة الإخوان ونهب ثروات البلاد، كما سرّبت لنا بعض المصادر صور بلحاج وهو مجتمِع مع استخبارات قطرية وتركية وغربية دخلت إلى ليبيا في الأحداث الحالية التي تشهدها البلاد.

وبالعودة إلى منطقة مصراته، فإنها المنطقة التي تمتلك أكبر قوة عسكرية عدة وعتاداً، وهذا بعد أن استطاعت الحصول العام 2011 على مخازن السلاح بعد الإطاحة بالعقيد القذافي، ومنه شكلت ميليشيات رفضت بعد إسقاط النظام تسليم سلاحها أو الانضواء تحت الجيش، ومن بين الكتائب المعروفة بنشاطها العسكري كتيبة “حطين” وكتيبة “البتار” الأكثر تشددا وهي تتبع “أنصار الشريعة“، وحتى كتيبة “الفاروق” المصنفة كجماعة إرهابية من قبل الحكومة والبرلمان في طبرق، وغيرها من الكتائب التي لم يتصور مقاتلو مصراته أن تتحول إلى“أنصار الشريعة“، وهنا أسرّ لي أحدُ القياديين في ليبيا أن بداية هذه الكتائب لم تكن إسلامية مسلحة بقدر ما كانت قوة عسكرية تحوّلت وانضوت تحت مسمى“أنصار الشريعة” وباتت القوة الكبيرة داخل مصراته والعاصمة طرابلس، ما أجبر بعض القيادات على التفكير في القيام بعمليات تصفية في خطوة للتخلص من هؤلاء والحفاظ على صورة مصراته التي أصبح موقفها معروفاً بـ“لا شيء يعلو فوق صوت السلاح داخلها“.
الحرب القبلية
إذا ما تحدثنا عن الحرب القبلية في المنطقة الغربية في ليبيا، فإن الجميع سيتحدّث عن مصراته والزنتان والزاوية وورشفانة، فأما الأولى فهي منطقة الزنتان التي يتهمها البعض أنها تحوّلت من قيادة ثورة الـ17 فبراير إلى منطقة تدعم “الأزلام“، ومعناها أتباع الراحل معمر القذافي خاصة وأن بيدها الورقة الرابحة وهي نجله سيف الإسلام القذافي، ما جعلها محل ضرب وحصار وقصف من قبل قوات “فجر ليبيا” التي تقودها مصراته، في حين يرى شيوخ منطقة الزنتان أنهم على حق وأنهم لن يسمحوا بوجود حكومة إخوان في ليبيا حفاظا على الثورة، أما عن منطلق “أزلام” القذافي، فترى القيادات التي تحدثت “الشروق” معهم أن روح القبلية لديهم جعلهم لا يردّون أي شخص يحتمي بهم حتى لو كان عدوا سابقا فهم يعتبرون أنه بإطاحة العقيد لا خلاف مع البقية، بل أكثر من ذلك يعتبرون أن قانون العزل السياسي الذي وضعته الدولة وفرضته فيما سبق ضد أتباع النظام السابق، خاطئ ويجب التخلص منه لأنه أفرغ الدولة من كوادرها وأجبر الأدمغة على الخروج من ليبيا التي باتت فقيرة غير قادرة على التسيير ليفتح باب الأطماع وقيادة الدولة بأجندات وأيادي أجنبية، بل وأكثر من ذلك أسرّت لنا بعض القيادات أنها تستعد لإطلاق مبادرة رفع قانون العزل وإعادة بعض القيادات حتى العسكرية السابقة التي ليس ضدها أي تهم بالاغتيالات وخرق القانون، وغيرهم من الكوادر الأخرى التي فرّت إلى دول أخرى بعد سقوط النظام.


ورغم أن البعض يعيب على منطقة الزنتان وجود تيار إخواني فيها تسيّره بعض القيادات في المجلس العسكري، حسب ما كان قد صرّح به سابقاً الفريق أول خليفة حفتر الذي قال إن بعض الشخصيات تعمل لحساب أجندة مجهولة لا تخدم مصلحة الوطن، في إشارة منه إلى دولة الإمارات ودروها في المنطقة الغربية، إلا أن البعض الآخر داخل نفس المنطقة يعمل على إبطال أي مشروع أجنبي ويحاول التمسك بوحدة الجيش والانضواء تحت رايته بهدف التخلص من مصطلح الميليشيات أو صبغة الحرب القبلية، خاصة وأن الحرب الدائرة حول القاعدة العسكرية الوطنية ليست بحرب قبلية بقدر ما هي حرب الحفاظ على قاعدة مهمة ووحيدة في المنطقة الغربية ترغب قوات “فجر ليبيا” في الاستيلاء عليها، كونها المصدر الرئيسي للضربات الجوية الموجّهة ضدهم.
أما الحرب القبلية الثانية، حسب ما صنفها البعض أو أراد أن يضفي عليها هذه الصبغة، فهي ما بين الزاوية وورشفانة، فالأولى متهمة باحتوائها لمجموعات إسلامية مسلحة مثل“الجماعة الإسلامية المقاتلة“، والثانية متهمة بأنها من أتباع النظام السابق، وهنا أتذكر أنني عندما دخلت إلى منطقة ورشفانة وقفت فعلا على حجم الدمار والخراب الذي ألمّ بها وبتهجير سكانها الذين فرّوا من حرب لا تزال مستمرة إلى اليوم، فالزاوية لا تزال مصممة على الدخول إلى منطقة ورشفانة ذات التعداد السكاني الذي يفوق الـ750 ألف مواطن، وهي المنطقة التي عُرفت بحبّها للعقيد الراحل معمر القذافي ووقوفها الدائم معه حتى في أيامه الأخيرة، ما اضطر سكانها بعد سقوطه إلى الرحيل خوفا من الانتقامات، فهجر من هجر وقتل من قتل وبقيت المنطقة على هذا الحال لسنوات، إلى أن جاءت المساعدة من منطقة الزنتان.

ولا ننسى هنا أن المدخل الرئيسي للعاصمة طرابلس هو من منطقة ورشفانة التي بعد سنوات من الحرب الضروس تمكنت منذ أكثر من شهرين من بسط سيطرتها على حدودها الإدارية، وهذا بعد أن تمكن اللواء عمر تنتوش من فرض كلمته على 7 طبول، أي 7 قبائل كبرى في المنطقة، كل طبل أو كل جهة فيها العديد من القبائل التي تسمع كلمة اللواء وتحبّه كثيرا، وهو ما عجز عنه الكثيرون قبله، وسر نجاح اللواء هو خروجه من السجن الذي بقي خلف أسواره لسنوات داخل منطقة الزنتان بتهمة قيادة الجيش وضرب المنطقة أيام ثورة الـ17 فبراير، لكن نفس المنطقة أطلقت العديد من الضباط المهمين والمحسوبين على النظام السابق مثل اللواء العيساوي، وهذا بهدف بسط السيطرة من جديد على مناطقهم وكذا توفير الأمن تطبيقا لمثل “أهل مكة أدرى بشعابها“.
وفي حديث جمعني مع اللواء عمر تنتوش الذي يقود هجوم استرداد الحدود الإدارية لمنطقته ورشفانة، أخبرني بأن حربه باتت بمجهودات ذاتية ودعم قليل من منطقة الزنتان في وقت لا تساعد فيه القيادة العسكرية –يقصد هنا رئيس الأركان الليبي عبد الرزاق الناظوري وكذا القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول خليفة حفتر– ليكشف لنا المتحدث أن معظم الأسلحة التي يقاتلون بها يتم شراؤها بأموالهم الخاصة، وهنا تذكرت أنه نفس المشكل الذي تعاني منه منطقة الزنتان التي لا تلقى الدعم الكامل من قبل جيش حفتر الذي كثيرا ما ركز على الجهة الشرقية وتوسّعِ “داعش” على حساب المنطقة الغربية والزحف نحو العاصمة طرابلس.
كما تعاني منطقة ورشفانة اليوم، حسب ما وقفنا عليه من تهجير آلاف العائلات التي هُدمت منازلها، وكم بقيت مستغربة وأنا أقف على أنقاض منازل مواطنين تم تفخيخها وتفجيرها وعمارات تم حرقها بالكامل في صور قد يعجز اللسان عن التعبير عنها، وأخرى كتبت على أسوارها شتائم ووعيد بانتقام أكبر، وما بين الوعيد والتنفيذ حرب استنزاف لا تزال دائرة منذ العام 2011.
المغرب وفرنسا وورقة الزنتان
رغم أن الأجندة الداعمة في منطقة الزنتان تبيّن أنها دولة الإمارات، إلا أن مصادرنا الرسمية أكدت أن المغرب وفرنسا أيضا تسعيان وراء إدخال أجندتيهما وأوراقهما إلى نفس المنطقة، خاصة وأن منطقة الزنتان تعتبر العصب الحقيقي والشريان الرئيسي والبوابة الرئيسية في المنطقة الغربية، والدليل على ذلك خطابات العقيد الراحل معمر القذافي في أيامه الأخيرة التي دعا فيها الزنتان إلى الوقوف معه لكونه كان مدركاً، حسب مصدرنا، أن الزنتان بإمكانها إيقاف الحرب أو إسقاطه، وهو ما حدث في نفس المدة التي كانت كل الدول الغربية وقطر وغيرها تغرق الزنتان بكل أنواع الأسلحة.

غير أنه وبعد إسقاطه انسحبت تلك الدول وغيّرت حساباتها باتجاه طرابلس وحكومة الإخوان ومصراته تحديدا، لتبدأ الزنتان من جديد رحلة البحث عن أجندة تساعدها على استرجاع العاصمة طرابلس ومن لبى النداء كانت الإمارات، لكن لحاجةٍ في نفس يعقوب، لتبقى الزنتان صامدة في المنطقة الغربية لأكثر من سنة رغم الحصار الذي فُرض عليها والحالة المزرية التي يعيشها سكانها، فلا بنزين ولا كهرباء ولا تموين، خاصة وأن الجزائر، وهي البلد الوحيد الذي يمكن أن تصل إليه برا، أغلقت حدودها لأسبابٍ أمنية، أما الحدود التونسية رأس الجدير ومعبر الذهيبة فهي في يد قوات “فجر ليبيا“، يعني المفر كان باتجاه العاصمة طرابلس ومواصلة الحرب التي أرادت أن تدخلها أجنداتٌ أخرى.
وهنا أسرّت لنا مصادرنا الخاصة عن اجتماعات سرية مكثفة بين منطقة الزنتان والمملكة المغربية التي بعد استحواذها على إدارة الحوار السياسي الأممي وحمى سباقها مع الجزائر، ترغب اليوم في دخول الجبهات العسكرية خاصّة وأن مصدرنا أسرّ أن من يجتمع مع رئيس المخابرات المغربية هم من القيادات العسكرية والدبلوماسية من المنطقة، فقد استدعت منطقة الزنتان دبلوماسييها المتواجدين خارج ليبيا للذهاب إلى المغرب وتلبية طلبها ورؤية توجّهها حول الحرب الدائرة اليوم، ويضيف مصدرنا أن الاجتماعات لا تزال قائمة للتوصل إلى حل مع المغرب التي حسبه تعرف وزن منطقة الزنتان في المنطقة الغربية، وهذا ما تجلى في القيادات رفيعة المستوى التي تجتمع معهم سرا داخل البلاط الملكي.
أما الأجندة الفرنسية، فيضيف مصدرنا أنها ليست وليدة اليوم، فقد سبق وكانت حليفة للزنتان العام 2011، ورغم أن فرنسا حاولت أن تلعب مع الطرف الثاني، إلا أن مصدرنا يقول إن فشل الطرف الثاني في السيطرة على المنطقة الغربية وعلى الحفاظ على الأمن وبقاء المؤتمر وشرعيته والتفاف الشارع حوله، جعل المخابرات الفرنسية تبحث عن حل اليوم مع منطقة الزنتان عن طريق جلسات سرّية تُعقد في فرنسا ما بين هذا الجهاز ودبلوماسيين وقياديين من منطقة الزنتان للخروج بحلّ للقضية الأيام المقبلة.