الرأي

رادفات ما بعد راجفة تونس

حبيب راشدين
  • 2579
  • 0

للمرة الثانية في نصف عقد من الزمن، قد تتحول تونس إلى بؤرة اختبار لحراكٍ احتجاجي شعبي يصعب ركوبه كما رُكب سلفه منذ خمس سنوات خلت، ويفترض أن تنظر إليه حكومات الإقليم المغاربي بكثيرٍ من الجدية وحسن الاستشراف لتبعاته التي لن تتوقف عند حدود تونس، ولا حتى عند حدود إقليم شمال إفريقيا.

وبخلاف حراك 17 ديسمبر 2010 ـ 14 جانفي 2011، فإن موجة الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في 13 ولاية تونسية لن تُخدَع هذه المرة بحركة تغيير إيهاب ثعبان السلطة، وليس للنظام التونسي أو لجيرانه نسخٌ من بن علي أو مبارك يقدّمونها للمحرقة، ولم يرفع الشباب المحتج أصلا شعار “ارحل” في وجه أحد، ربما لأنه يكون قد تعلم أكثر من درس من اخفاقات الربيع العربي، ولا يريد من النخب التي أوصلها حراكُه السابق إلى السلطة أكثر من الوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها، سواء كثمار لما سُمي وقتها بالثورة، أو لما نسب من نعيم لفردوس الديمقراطية الموعود.

على رأس مطالب فقراء القصرين، وسيدي بوزيد وحزام الفقر حول محميات الثروة، يُرفع اليوم شعار “اقتسام الثروة” بدل اقتسام السلطة، وقد وثق الشباب التونسي أنه لا أمل يُعلق على مسارات اقتسام السلطة التي هي في الأساس لعبة النخب من قبل ومن بعد، ولا سبيل إلى تغيير هذا الواقع سوى بتذكير النخب، أنها لن تنعم بالسلم الاجتماعي حتى يطمئن “شعيب لخديم” على قوت أبنائه اليومي، وهو لا يريد أكثر من توفير فرص الشغل ليوفر قوته بشرف.

   أخطر ما يمكن أن تخشاه الحكومة التونسية وجيرانها من القاهرة وحتى مراكش، أن هذا الحراك هو حراكٌ اجتماعي صرف، عفوي بحت، لم تتصدّره لا زُمر النقابات، ولا أحزاب المعارضة، ولا فرق “فريدوم هاوس” وليس له “جزيرة” تسخِّن ميادينه، بل لن تكون له ميادين تحرير يسطو عليها مشايخ الكنائس العقائدية والسياسية بجميع أطيافها، وقد خبِر زيفها في البروفة السابقة.

بعض الإجراءات المسكِّنة التي اتخذتها الحكومة كانت ستنفع لو أنها جاءت ضمن سياسةٍ واضحة، تصارح الشعب التونسي بقلة الحيلة وضعف الوسيلة، وكانت ستنفع لو أن التحالف الحاكم لم يبادر من قبل إلى إعادة تأهيل زمرة المتنفِّذين من عهد بن علي، ويطلق أيديهم في مسار النهب مجددا، وينخرط معهم في تحالفٍ موضوعي مصلحي لم يعد خافياً عن مستضعفي تونس.

وليس محض صدفة أن تندلع الاحتجاجات في الوقت الذي كان رئيس الحكومة التونسية ضيفا على نادي الإوليغارشيا العالمية بـ”دافوس” لأن الرسالة موجهة إليهم أيضا، وقد كان على رأس جدول الدورة: دراسة التهديدات الإرهابية، والهجرة، وتبعات انهيار أسعار النفط.. وفي الاحتجاج أكثر من تهديد بتفاقم هذه الآفات على الأقل في منطقة شمال إفريقيا، وإن لم تكن تونس الصغيرة وازنة بما يكفي، فإنها كانت موطن اختبار بروفة الربيع العربي، وقد تكون بؤرة لاختبار حراكٍ تتولاه الشعوبُ بنفسها، تخيِّر حكام المنطقة وأربابهم ما وراء البحر، بين سلمٍ له ثمن لا تمتلكه الحكومات المحلية العاجزة، وبين تبعات أي انفلات نحو إشهار العصا الغليظة التي قد تفتح شهية “داعش” وأخواتها، لتحقيق التمدد خارج ليبيا والمناطق الموبوءة في الساحل. 

مقالات ذات صلة