رباعية الإرهاب تذبح حلب العربية
المذبحة الدائرة على قدم وساق في ما بقي من خرابة حلب، تقدِّم لنا صورة حيّة للطريقة التي اختارتها الدول المجرمة لاستئصال ما تصفه بالإرهاب، بإبادة الساكنة من المدنيين المتهمين بالحضانة الطوعية للمجاميع المسلحة.
ما يُنقل يوميا عن المجازر التي يرتكبها طيران النظام السوري وطيران حليفه الروسي، هو ما سوف نراه لاحقا في الرقة، والموصل، والفلوجة، وسيرت، ومدن وقرى ابتليت بإرهاب المسلحين، وبإرهاب السلطات القائمة، وقد دخل عليهما إرهابٌ أقدر على القتل، تمارسه الدول العظمى تحت سمع وبصر مجلس الأمن.
مأساة مدينة حلب ـ وهي تهيئنا لمآسي قادمة في الموصل، والرقة، ودير الزور، والفلوجة، وسيرت ـ أنها مدينة عربية عريقة، قد غُرِّر بأهلها في دروب الربيع الكاذب، الذي أنهى ببراعة ما أخفق فيه الغزو الأمريكي لقلب العالم العربي من عاصمة العباسيين، والذي لن يتوقف حتى يخرِّب حواضر الأمويين، وسط تواطؤ آثم من إعلام عالمي احتفل أمس بلا حياء بعيد حريته الكاذبة.
بعضنا يتذكر كيف انفطرت قلوب البشرية قاطبة لصور “إبادة” طالبان لأربعة تماثيل بوذية، تداعى لها حتى كبار أقانيم اتحاد العلماء المسلمين، أو يتذكّر الصور الكاذبة لقصفٍ وهمي نُسب إلى طيران القذافي ضدّ بنغازي، سرعان ما جير لاستصدار قرار أممي أباح لطيران النيتو تخريب المدن الليبية، وقتل أكثر من 150 ألف ليبي.
في حلب هدم الطيران السوري والروسي سبع مستشفيات بمن فيها، لأن الحرب هنالك تُشنّ على الأحياء بلا تمييز، ولأنها ليست حربا على الإرهاب بقدر ما هي حرب تتقاطع فيها حسابات دول الاستكبار مع طموحات توسُّعية لدول اقليمية: حالمة باستعادة أمجاد الطورانيين هنا، وأيام الصفويين هنالك، مع أنظمة مجرمة بائسة تقتل شعبها بدم بارد، هي في عراك عدمي مع كيانات مُعارضة ترغب مثلها في الاستواء على عرش الإمارة ولو على الحجارة.
هذا الرباعي المجرم وجد ضالته في فضاء عربي فقد البوصلة منذ أن أدار ظهره لراية تحرير القدس، لم تتعلم نخبُه وشعوبه الكثير لا من فتنها السابقة، ولا من مآسي الحقبة الاستعمارية، ولا حتى من فتنها الحديثة، وإلا ما كان لنظام الأسد استنساخ مذبحة حماة الرهيبة وقد نبض عرقها الدساس في مأساة اليوم.
ولأجل ذلك، لا ينبغي لشعوب المنطقة التعويل على المجموعة الدولية، وقد فوضت أمريكا وروسيا لإدارة مذبحة العرب، بلا خوف من المساءلة القانونية، أو من مضايقة محرّمة من إعلام عالمي بات يسوّق مجرمي الحرب كأبطال أسطوريين، ويشيد بدور القتلة من المتطرّفين الشيعة لنظرائهم من السنة.
غير أن المأساة ليست في من يقتل اليوم حتف أنفه، وهو رهينة أعزل بين الوحوش الأربعة في المدن المفتونة، بل المأساة ماثلة مع من أميتت قلوبهم منّا اليوم في ربوع العالمين العربي الإسلامي، يبخلون على اشقائهم بدمعة يتيمة، حتى لو كانت كاذبة مثلما هي كاذبة الرايات التي يُذبح تحتها المسلمون وقد أميتت عند ضحاياهم الرغبة برفع صوت الاستنصار “وامعتصماه”.