ربما صحّت الأجسام بالعلل!!
في أكثر من مكان تواجه الأمة الآن حروبا ضارية تستهدف وجودها وعلى الأقل احتمالات نهوضها..ولحسن الحظ يمكن الإعلان بوضوح أن الأمة قد اجتازت التحديات الوجودية وتقدمت بخطوات بعيدة نحو استعادة زمام المبادرة التاريخية رغم مايبدو على السطح من قيوح ودماء وما ينز من وجع وآلام ..وعندما نقرأ الاشتباكات القائمة اليوم في إطار سياقها التاريخي نجد أننا في حال أفضل بكثير مما كنا فيه قبل عشرات السنين..وهذا يعني بوضوح أن جهاز المناعة والمقاومة في الأمة لايزال بخير.
أجل:”ربما صحت الأجسام بالعلل”، استوقفني هذا القول للإمام ابن القيم ورجعت لأجد أن الأمة تكتنز في مخزونها الثقافي أمثالا كثيرة تفيد أن الأجسام بعد حدوث العلل تكون أكثر صحة وأوفر قوة..وفي الطب وقوانينه أشارت لهذه المعاني، حيث تصبح المناعة أكثر نشاطا ولعل التحصين الطبي مثالا واضحا في ذلك.
المهم في هذا كله أن لاتكون العلة قاتلة لايقوى عليها الجسم فتهدم كيانه..ويظل الجسم في حالة مقاومة بما أتاه الله من عناصر قوة، وكلما حقق انتصارا على علة يكون أقوى على مواجهة علة أخرى.
هذه المعاني تنطبق تماما على جسم الأمة مشرقا ومغربا، وهو يواجه العلل المتنوعة لأن كل علة فيه تستنهض الصحة، فبعد انهيار النظام السياسي الجامع للأمة هجمت عليها قوى الشر والجريمة ممثلة بالاستعمار الغربي العنصري التي أنزلت بها الفواجع والنكبات..ولكننا نجد أنه في أعقاب كل فاجعة تستنهض الأمة قوتها لتنتصر على أثار الفاجعة وتتدقم خطوات مهمة.
فبعد مجزرة ڤالمة وخراطة وسطيف جاءت ثورة الجزائر المجيدة، وبعد مجزرة صبرا وشاتيلا جاءت الانتفاضة الفلسطينية المباركة، وبعد سقوط عشرات الألاف من الشهداء، انتصرت الثورة الإسلامية في إيران .. وردا على الاستعمار الغربي قفزت الأمة على أكثر من صعيد لبناء الدولة والجيش والبنية التحتية وفتح مجالات العلوم والتقدم لحماية الحقوق..صحيح أن ذلك كله لايزال قليلا، ولكن السياق العام يقول إن الأمة لم تمت بل هي في مواجهتها ضد الغرب العنصري سجلت نقاطا وحررت مواقعا، أخذة في الازدياد، فالفلسطينيون اليوم رغم كل ما يمرون به من مآزق هم في وضعية أفضل من ذي قبل هم الأن لايفرون ولا ينزحون إلى الخارج.. هم الأن يعودون للوطن رغم أن الوطن لم يعد إليهم بعد..والعراقيون أخرجوا الأمريكان بقوة فعل المقاومة الباسلة، رغم أن صنائع الأمريكان لايزالوا في مفاصل الدولة، واللبنانيون أقاموا ميزان الرعب بينهم وبين الكيان الصهيوني، رغم أنهم لايزالوا في المعركة ضد عملاء الغرب الذين يتغطون بشعارات عديدة..
أنه لابد من التحلي بروح المسؤولية والعلمية أثناء الحديث عما تواجه الأمة كيلا تصبح مهمات الكتاب والصحفيين مكملة لمهمات الاستعمار الغربي العنصري..لابد من استشعار الخيط الناظم لحركة الأمة في صمودها قرونا عديدة في وجه الحملات الاستعمارية..أجل إننا نتجه إلى العافية ويتجه عدوّنا العنصري نحو الاندحار.