رجال يرمون بزوجاتهم بعد الثراء
تدخل الكثير من النساء والفتيات غمار الحياة الزوجية بعقلية “وريلي عشْتي نوريلك نيتي”، فتعمل الواحدة منهن بكل حسن نية، وبأقصى إمكانياتها الجسدية والفكرية والمالية، لإعلاء شأن زوجها ومساعدته على المُضي قُدما، سواء ماديا أم مهنيا، حتى وإن كان الثمن إلغاء ذاتها ومستقبلها.. وعزاؤها في ذلك، أن “مول النية يربح ويطلع كي لعلام. وإذا ما ربحش، يخرج لاباس”. ولكن، هل فعلا نهاية الواحدة من هؤلاء تكون دائما “لاباس”؟ للأسف، واقع الحال يقول عكس ذلك تماما. فكم من امرأة وقفت إلى جانب زوجها، حتى اغتنى أو اعتلى منصبا مرموقا، فجازاها على ذلك جزاء سنمار، بتطليقها أو ركنها جانبا، واستبدالها بمن تصغرها سنا، وتفوقها جمالا ودلالا، لأنها، ببساطة، لم تعد تليق بمقتضيات “بريستيجه” الجديد، مُنكرا حتى حقها في الكد والسعاية.
الجزاء ليس دوما من جنس العمل
يُقال في نُكران الفضل وجحد الجميل: “جزاه جزاء سنمار”. وبحسب رأيي، ليس هنالك مضرب أدق وأحسن لهذا المثل من حال زوجة سعت مع زوجها لعقود من الزمن، ووقفت إلى جانبه مساعدة ومساندة، إلى أن بنى نفسه أو اغتنى. وبدل أن يرُد إليها الجميل، فإنه اختار أن يُجازيها جزاء سنمار، ويرميها من حياته أو يركنها جانبا. تماما، مثلما حدث مع عقيلة، التي أعرف جيدا مقدار النضال الذي خاضته على عدة أصعدة، في سبيل أن يصبح زوجها موسى رجل أعمال، ومقاولا معروفا بولاية ساحلية. ولكنه حينها، وبدل أن يجازيها على كدّها وسعيها معه، فإنه ركنها جانبا، وعاث في عالم النساء فسادا. ليتزوج في النهاية من شابة، انتهجت معه سياسة منظمة لنهب ماله الذي ساعدته زوجته الأولى في تكوينه. ونهاية صاحب حكايتنا تداولتها معظم الجرائد والمواقع الوطنية منذ أعوام، بعدما تلاسن مع تلك الزوجة الجديدة، فأطلق عليها النار ليتسبّب لها في شلل في يديها ويُردي أمها قتيلة، قبل أن يفر إلى أحد جبال الولاية، حيث عاش لفترة، إلى أن أُلقي عليه القبض، من طرف مصالح الأمن.
بعد أربعين سنة زواجا نصحها بنفخ صدرها
ونفس المصير، لقيته خالتي زهرة، التي تُناهز السبعين عاما من عمرها. فبعد أن سعت لبناء أسرة ناجحة، رفقة زوجها الذي تحول بفضل مساعدتها له من مجرد فلاح بائس، إلى صاحب محلات وعقارات، وأبا لأولاد كلهم ناجحون.. فمنهم المحامية والأستاذ وطبيبة التخدير ومهندس الطيران. قلنا، بعد كل ذلك الكد والسعي، وفي الوقت الذي كانت تتوقع فيه منه أن يعترف لها بفضلها في تأسيس حياته الناجحة، وتنمية ثروته، بحكم أنها كانت تعمل معه في الفلاحة وجني الزيتون، وآوته في بيت أهلها، حينما نزح من الريف إلى المدينة، هروبا من التهديدات الإرهابية في العشرية السوداء، فيأخذها لأداء عمرة، كما كانت تمني نفسها، فإنه غافلها على حين غرّة برغبته في الزواج، ممن تصغرها سنّا وتفوقها جمالا. وعبثا حاولت وأولاده ثنيه عن رأيه، فراحت تركض في الوقت الضائع، بالسعي نحو الحلاقات لاستعادة شبابها الفائت وجمالها الآفل. ولكن، هل يصلح هؤلاء ما أفسده الغدر؟ الأكيد، لا.. وهذا ما أدركته متأخرة، وبالضبط، في اللحظة التي طلب منها فيها أن تنفخ صدرها. فحينها فقط، استسلمت لمصيرها المحتوم، وتركته يتزوج ممن جاءت لتشاركها راتب تقاعده وعقاراته وجاهه، وكل ماله، الذي أسهمت في تكوينه.
واختلط الحابل بالنابل
ولا يقتصر كد وسعي الزوجات مع أزواجهن، على الدعم المعنوي فقط، وإنما يتعداه إلى الدعم المادي. فكم من زوجة منحت مالها لزوجها، أو ساعدته على تكاليف الحياة أو في إنجاز مشروع، فخرجت من العلاقة صفر اليدين، لأنها لم تحافظ على استقلال ذمتها المالية، فاختلط مالها بمال زوجها، اختلاط الحابل بالنابل.. وحين جدّ الجد، تنكّر لكل ذلك، ورماها من حياته، عندما شبع واغتنى أو اكتفى ماديا، مثلما حدث لنعيمة، 45 سنة، التي تعبت كثيرا، قبل أن تتخرّج من جامعة باب الزوار كأستاذة رياضيات. ولأن قطار الزواج تأخر بها إلى ما فوق الـ 35 عاما، فقد ارتضت الزواج من أول شخص طلبها لذلك، رغم أنه كان شابا بطالا فاشلا، أنجبت منه ثلاثة أطفال، وتكبدت تكاليف الكراء، حينما كانوا ينتقلون من بيت إلى آخر، قبل أن تقوم بتشييد منزل من مالها الخاص، فوق قطعة أرض فلاحية، يمتلكها أهل زوجها، الذي خصص الطابق الأرضي لإنشاء محلات، قام بكرائها ليغتني ويصبح شخصا آخر، يُشعرها دوما بأنها لم تعد تليق به، فصار يخونها مع الكثيرات.. وهي المشاكل التي أدخلتهما ساحات المحاكم، ليس للبدء في إجراءات الطلاق فقط، وإنما أيضا لتُثبت حقه في العقار الذي بنته بمالها على أرض أهله، الذين ولحسن حظها وعدوها بأن يقفوا إلى صفها، ويشهدوا بالحق.
هل المطلوب إحياء فتوى الكد والسعاية؟
إن حالات الزوجات اللواتي رماهن أزواجهن من حياتهم عندما اغتنوا، أكثر من الهم على القلب.. ولا يتسع المقام لذكرها. والرمي هنا، ليس بمعناه المجازي فقط، وإنما بمعناه الحرفي كذلك. فهناك زوجات تم رميهن إلى الشارع بعد طول سعي وكد، مع أزواج كانوا مثالا للنذالة “لو كان جات بنادم”.
ولرفع مثل هذا الظلم عن المرأة، طالب شيخ الأزهر، أحمد الطيب، في بداية العام الجاري، بإحياء وإعادة تفعيل فتوى الكد والسعاية، التي تنص على أحقية الزوجة في أن تقتسم مع زوجها ثروته التي شاركته في تكوينها وتنميتها، ببذل المال أو بالسعي والعمل أو بكليهما، خلال فترة زواجهما. وذلك، بقدر سعيها وجهدها، لأنه يمكن أن يُعيد الزواج عليها أو يتطلقا، وحتى إذا توفي فتأخذ نصف التركة ونصيبها في الإرث كذلك. وفتوى الكد والسعاية لا تقتصر على الزوجة العاملة فقط، التي أسهمت بمالها في تكوين ثروة زوجها، وإنما حتى المرأة الماكثة بالبيت، التي تقوم بعدة أعمال تسهم بها في تكوين ثروة زوجها وبناء حياته، كتسيير شؤون المنزل وتربية الأطفال وغيرها..
ويعود أصل هذه الفتوى إلى عهد عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- حين كانت هنالك امرأة تسمى حبيبة بنت رزيق، وكانت نسّاجة طرّازة، وكان زوجها عمر بن الحارث يُتاجر بما تنسجه وتنتجه، حتى كوّنا ثروة طائلة، فلما توفي الزوج، استولى أهله على تلك الثروة، فنازعتهم فيها حبيبة، ورفعت شكواها إلى عمر بن الخطاب، الذي قضى لها بنصف المال وبالإرث في الباقي.
وكم تحمست، لتفعيل هذه الفتوى بالجزائر، وقلت في نفسي: “ها قد جاءك الموت يا تارك الصلاة”. بمعنى، أن هذا الحق سيكون أنجع رادع للأزواج الذين يفكرون في رمي زوجاتهم بعد طول كد وسعي منهن. فهرولت للاتصال بالشيخ شمس الدين الجزائري، لأسأله: “ما دام لنا حق- نحن الزوجات- اسمه حق الكد والسعاية، فلمَ تُخفونه عنّا كل هذه القرون، يا شيخ؟” ليُحبطني بهذا ّالرد المُفحم: “ليس لكم إلا كدكم وسعيكم، لا كد وسعي غيركم.” ولكنه اعترف لي بأن السيد علي بن فليس، عندما كان رئيس حكومة، استدعاه، ذات مرة، لاستشارته حول إمكانية تطبيق مثل حق كهذا، في مجتمعنا، لضمان حق الزوجات الساعيات مع أزواجهن.
الشرع والقانون يُبيحان للزوجة استقلال ذمتها المالية
ولقد أثارت دعوة شيخ الأزهر لإحياء وتفعيل فتوى الكد والسعاية، جدلا واسعا في الكثير من الدول العربية، بين مؤيد ومرحب بذلك، لأنه نصرة للزوجة الكادحة، وبين رافض ومستنكر لها، باعتبار أنه ليس في الإسلام ما يسمى بفتوى الكد والسعاية، وأن حكم عمر بن الخطاب لحبيبة هو واقعة عين. ولكن، بغض النظر عن وجود مثل هذا الحق للزوجة من عدمه، فإن الإسلام لم يظلمها في هذا الشأن. وهذا، بأن جعل لها ذمة مالية مستقلة عن زوجها، لكيلا تختلط أموالهما، فتحدث المشاكل. كما أن المشرّع الجزائري، كما تقول المحامية نجيبة. ق: “قد أجاز، من خلال المادة 37 من قانون الأسرة الجزائري، للزوجين أن يتفقا في وثيقة عقد الزواج أو في عقد رسمي لاحق، على الاشتراك في الذمة المالية بينهما، أي حول الأموال المشتركة بينهما، التي يكتسبانها خلال الحياة الزوجية، وتحديد النسب التي تؤول إلى كل منهما.”
لهذا، ومن باب “احرص ولا تُخوّن” على كل من خشيت غدرا من زوجها، أن تحافظ على استقلال ذمتها المالية، أو تقوم بتوثيق نصيبها من ثروتهما المشتركة، قبل أن يأتي عليها يوم تُلامُ فيه بمثل المثل العربي القائل: “يداك أوكتا وفوك نفخ”.