الرأي

رسائل فرنسا المشفرة في الحرب على مالي

إذا أرادت السلطة الجزائرية أن تنقذ البلاد من الأخطار المحدقة بها فعليها بفك رسائل فرنسا المشفرة في حربها على مالي وتداعيات فتح الأجواء دون شروط للطائرات الحربية الفرنسية وما حدث في عين أمناس؟

المشروع الفرنسي في دول الربيع العربي

من الخطإ اعتبار ما يحدث في مالي مجرد حرب تقودها فرنسا ضد الإرهابيين وليس ضد الإرهاب كما يصرّح سياسيوها، وإعلان الحرب في مالي من باريس وليس من العاصمة المالية أو من عواصم دول الإيكواس هو رسالة مشفّرة لأكثر من جهة وفي مقدمتها الجزائر التي سمحت لها بأن تعلن قرار منح أجوائها للطائرات الحربية الفرنسية على ألسنة قادة فرنسا وليس حكام الجزائر، وأولاها هي أن استتباب الأمن في أي مستعمرة فرنسية سابقة مرهون بالقرار الفرنسي.

وليس غريبًا أن يعقد المجلس الوطني السوري لقاءه في باريس متزامنًا مع لقاء للمعارضة السورية التي تقودها أمريكا في جنيف بسويسرا، وهو رسالة من فرنسا إلى أمريكا بأنها مستعدة للتخلي عن سوريا إذا غضّت طرفها عمّا تقوم به في مالي.

وليس غريبًا أن تكون فرنسا المستفيد الوحيد من عملية عين أمناس التي جمعت ثماني جنسيات من بينها مواطنو دول الربيع العربي المنتقدة للتدخل الفرنسي في مالي؟، فهل هي بذلك تريد إقحام الجيش الجزائري في حرب مالي أم تهدف لتحويله إلى “مؤسسة حراسة” للمؤسسات الأجنبية بالصحراء أم هو تراجع عن دعم الثورات العربية؟.

أصحاب الألسنة الطويلة يقولون بأن هناك صراعًا خفيًا بين مؤسسات الحراسة الجزائرية ومؤسسات الحراسة الأجنبية وبين الحكومة لكن المطلعين على “الشفرة الفرنسية” يؤكدون بأن المقصود هو إضعاف المؤسسة العسكرية بتقسيمها إلى “حراس حدود” و”حراس شركات” فهل تتحوّل مهمة الجيش الوطني الشعبي من حماية الوطن كما ينص عليه الدستور إلى حماية الشركات الأجنبية؟.

تقول المادة 24 من دستور 1996م: “تتمثل المهمة الدائمة للجيش الوطني الشعبي في المحافظة على الاستقلال الوطني والدفاع عن السيادة الوطنية ويضطلع بالدفاع عن وحدة البلاد وسلامتها الترابية وحماية مجاليها البحري والجوي ومختلف مناطق أملاكها البحرية”، وتلزم المادة 27 منه بأن “تمتنع الجزائر عن اللجوء إلى الحرب من أجل المساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها، وتبذل جهدها لتسوية الخلافات الدولية بالوسائل السلمية”.

يقول المرحوم عبد الحميد مهري في مقدمة كتاب (الجزائر بين ركود ونهوض، ص 13) بالحرف الواحد: “إن الدور العملي للجيش كان حاسمًا في محطات سياسية عديدة مثل أزمة صيف 1962م، وتصحيح 19 جوان 1965م، وخلافة الرئيس بومدين 1979م، وإيقاف المسار الديموقراطي سنة 1992م، وإدارة الأزمات التي أعقبت ذلك… والحديث عن دور الجيش في الوضع الراهن فيه كثير من التجاوز لأن مؤسسة الجيش ببنيتها وهياكلها لا يمكن أن تقوم بدور سياسي مباشر ومستقل عن مصالح الأمن العسكري، فهذه المصالح هي التي تشكل الامتداد الطبيعي للجيش وأداته الفاعلة في الميدان السياسي”، فهل ستكون عملية عين أمناس بداية استرجاع المؤسسة العسكرية لدورها السياسي؟.

من يقرأ كتاب (رؤساء الجزائر) لنور الدين حاروش، بدءًا من فرحات عباس وبن يوسف بن خدة ومرورا بأحمد بن بلة وهواري بومدين ورابح بطاط والشاذلي بن جديد ومحمد بوضياف وعلي كافي واليمين زروال وانتهاء بعبد العزيز بوتفليقة يتساءل: لماذا يهمل المؤرخون دور الرئيس فارس عبد الرحمن في المرحلة الانتقالية الفرنسية الجزائرية 1962م؟.

يطرح صاحب الكتاب في الصفحة 230 سؤالاً غريبًا: “رئيس الجزائر للفترة المقبلة (بعد بوتفليقة) هو سياسي عمره في الخمسينات من الشرق الجزائري… فمن يستطيع حل اللغز أكيد أنه سيتعرّف على الرئيس من الآن”، فهل السماح لفرنسا بمرور طائراتها الحربية فوق المجال الجزائري يضمن عهدة رابعة أم أن عملية أمناس هي التي ستكون الفاصل في رئاسيات 2014م؟.

يبدو أن انتقادات أحد أعضاء الحكومة لعملية عين أمناس والتعتيم الإعلامي والتناقضات بين تصريح رئيسها وتصريحات أعضائها مؤشر على وجود صراع خفي حول الرئاسيات، كما أن احتمال تجديد الثقة في عبد العزيز بلخادم بالرغم من وقوف ستة وزراء ضده مؤشر آخر على احتدام الصراع حول الرئيس القادم.

.

عودة “الحاخام- المسيحي” إلى التوارڤ؟

ارتبط التاريخ المكتوب للتوارڤ بالأب شارل دي فوكولد الذي قضى 11 سنة (1906-1916م) في مهمة مشبوهة بمنطة الأهڤار فهو يعتقد أن تنصير المستعمرات الفرنسية “واجب مقدس على المسيحيين الفرنسيين” (كتاب مرموري حسن، التوارڤ، ص300)، واختصرت هذه المهمة في العمل لتمهيد الطريق للاستعمار الفرنسي، فهو يقول: “للتوارڤ لغة وكتابة خاصة لكن ليس لهم كتب ولا يوجد أي كتاب في هذه اللغة وإنه لشرف عظيم لي أن يكون كتابهم الأول هو الإنجيل المقدّس” (المصدر نفسه، 297)، ويضيف: “إن ما أقوم به لدى التوارڤ قليل جدًا لا يجب البحث عن تحويلهم الآن-إلى مسيحيين _ لكن لا بد من التحضير للمستقبل” فهل الحرب الفرنسية في الجنوب الجزائري استكمال لمهمة هذا المبشر؟، وهل ستحتفل فرنسا بالمئوية الأولى لرحيله التي ستكون عام 2016م؟.

كان للأب فوكو أكثر من عشرة أسماء من “الحاخام يوسف ألمان” حين دخل المغرب إلى “الراهب المسيحي” عندما كان يعيش بين التوارڤ الذين كانوا يطلقون عليه اسم “عبد عيسى” وهو مجرد “جاسوس” واكتشفت مهمته الأساسية حين تحصن في برج مع جنود فرنسيين فحاصره التوارڤ بعد صلاة الجمعة يوم 1 سبتمبر 1916م وقتل بطلقة رصاص من أحدهم.

إن القراءة الصحيحة للتدخل الفرنسي في مالي هو الذي ينقذ توارڤ دول الساحل من عودة احتلالهم. ففرنسا لا تريد محاربة الإرهاب وإنما الانتقام ممن اغتالوا الأب فوكو قبل 97 سنة.

مقالات ذات صلة