رسالةٌ إيرانية لترامب
حقّقت إيران نصرا معنويا مهما على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حينما تمكّن “مجلس خبراء القيادة”، بالرغم من الظروف الأمنية الاستثنائية والحسَّاسة التي فرضتها الحرب، من انتخاب مجتبى خامنئي مرشدا جديدا للبلاد، ما يثبت قدرة قيادتها الجماعية على إدارة أخطر الأزمات التي تواجهها.
وبهذا الانتخاب في اليوم التاسع من الحرب أفشلت إيران مخطط الأعداء لتفكيك البنية الصلبة للنظام وإجباره على الاستسلام مبكرا لإملاءاتهم، أو إسقاطه وإيقاع البلاد في حالة فوضى لن تتعافى منها سنوات طويلة كما حدث في العراق وليبيا وسوريا وبلدان عربية أخرى تحوّلت إلى دول فاشلة تعاني أزمات مستعصية إلى حدّ الساعة، كما ردّت عمليًّا على ترامب الذي قال بتبجُّح وصفاقة إنه يجب أن يشارك في اختيار المرشد الجديد حتى يكون مقبولا لديه، تماما كما فعل في فنزويلا مع ديلسي رودريغيز التي هدّدها بمصير مادورو فرضخت لإملاءاته ومنحته مائة مليون برميل نفط مجانا وفتحت حقول نفط فنزويلا على مصراعيها للشركات الأمريكية.. وقد أحسنت إيران صُنعًا عندما ردّت على هذه العجرفة والاستعلاء والوقاحة بانتخاب مجتبى خامئني المعروف بأنّه أكثر تشدُّدًا من والده وبعلاقته الوثيقة مع الحرس الثوري، ما يجعل أيّ تنازل منه للشروط الأمريكية أمرا غير وارد.
هي رسالة تحدي واضحة وصارمة من إيران لأمريكا والكيان الصهيوني بأنها لن تتراجع عن نهج المقاومة وستقاتل حتى النهاية، أو إلى غاية التوصُّل إلى اتفاقٍ مشرِّف يحفظ لها حقوقها ومكاسبها، ولكنّ المطلوب منها الآن هو حماية المرشد الجديد من خلال ضمان السرية الكاملة لأماكن وجوده وتحرّكاته حتى لا تنجحا في اغتياله، ومن ثمّ العودة مجددا إلى نقطة الصفر، وقد قال ترامب بوضوح لشبكة “إي بي سي نيوز” إنّ أي مرشدٍ جديد “لن يستمرّ طويلا في منصبه من دون موافقته”، وأكّدت صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلا عن مسؤولين أمريكيين أنّ ترامب أخبرهم بأنه سيغتال المرشد الجديد قريبًا إذا رفض الرضوخ لمطالبه.
في جميع الأحوال، أظهرت إيران إلى حدِّ الساعة أنّها لن تستسلم في هذه الحرب الجائرة، وهي لا تزال تقاوم بقوّة وتؤلم العدوين الأمريكي والصهيوني بضرباتها العسكرية اليومية على قواعدهما بالطائرات المسيَّرة والصواريخ، كما تؤلمهما وحلفاءَهما الغربيين بقطع 20 بالمائة من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ما يرشِّح أسعاره لبلوغ 150 دولار قريبا ووقوع أزمة طاقة حادّة في العالم تدفع حلفاء ترامب إلى ممارسة ضغوط كبيرة عليه لوقف هذه الحرب، وحتى الشعبُ الأمريكي بدأ يتململ من ارتفاع أسعار الوقود وقد يثور قريبا على رئيسه الذي زجّ بأمريكا في حربٍ خاسرة من أجل الكيان الصهيوني وجعلهم يدفعون فيها أثمانا غالية من جيوبهم.. أمّا إيران فهي متعوِّدة على شظف العيش منذ بداية العقوبات الأمريكية عليها في 1979 إلى اليوم، أي طيلة 47 سنة كاملة، ولن يضرّها الصمودُ أشهرا أخرى في هذه المعركة الوجودية التي يجب أن تنتصر فيها أو على الأقل تخرج منها بأقلّ الخسائر لتواصل قيادة محور المقاومة في المنطقة، وهي تجرّ الولايات المتحدة والكيان إلى حرب استنزافٍ طويلة لن تخرجا منهما سالمتين هذه المرّة.
أمرٌ آخر نرجو أن يفعله المرشِد الجديد غير الصمود في وجه الاستكبار الأمريكي والصهيوني في هذه الحرب القاسية، وهو إلغاء فتوى والده الشهيد علي خامنئي المتعلقة بتحريم امتلاك القنبلة النووية، وإصدار فتوى جديدة بجواز امتلاكها لردع الأعداء.. لقد أكّد خبراء كثيرون أنّ مخزون اليورانيوم المخزَّن لدى إيران (450 كلغ) والمخصَّب بنسبة 60 بالمائة يمكن رفعُ تخصيبه إلى 90 بالمائة خلال أسبوع وهو يكفي لصناعة 11 قنبلة ذرية، ونأمل أن يفعلها المرشد ويفتي بجواز صنعها حتى يضرب ترامب ونتنياهو المتعجرفين في مقتل ويردعهما عن مهاجمة بلاده مستقبلا.