-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رسالة إلى الأسيرة شروق دويات

بقلم: دارين طاطور
  • 504
  • 0
رسالة إلى الأسيرة شروق دويات

عزيزتي شروق دويات… منذ مدة لم أكتب لك يا صديقتي، رغم أنك تدخلين كل يوم في تفاصيل حياتي. هكذا أعيش حيث لا يمر  يوم عليّ إلا وثمة شيء يعيدني إلى السجن وإلى الزنزانة وإلى ضحكتك وإلى الرفيقات. إنها المفارقة الغريبة التي نعيشها، حتى لو خرجنا من السجن فالسجن لا يخرج من داخلنا. سبع سنوات مرّت على لقائنا الأول وكأنها البارحة، أذكر فيها كل لحظاتنا، أحاديثنا، ضحكاتنا، أفعالنا…

يقول المثل الفلسطيني “البعيد عن العين بعيد عن القلب”، إياك أن تصدقي هذا المثل، لأنك الأقرب إلى قلبي رغم كل المسافات والجدران التي تفصل بيننا، ورغم كل السنوات التي مرّت على آخر لقاء لنا في سجن الدامون عام 2016 بعدها فرق بيننا،  لتصبح كل واحدة منا في سجن مختلف.

إنه الخريف الآن، بعد عدة أيام ماطرة وباردة، يطل هذا الصباح في مدينة أوسترشوند شمال السويد بضوء شمس خافت استرق الدخول إلى بيتي المعتم وأضاء تلك الزاوية فيه، تأملتها فأعادتني لتلك الزاوية الصغيرة التي كنا نجلس فيها معًا وقت “الفورة” في “باحة سجن الشارون” الحمراء المغلقة، الزاوية الوحيدة التي تدخل منها الشمس وتصل إلينا في ذلك السجن الكئيب والمظلم، الزاوية التي كانت بالنسبة لنا بمثابة الخروج من النفق.

ما أن تفتح لنا أبواب الزنازين الزرقاء الحديدية العملاقة، حتى نركض كالصغار نحو هذه الزاوية، نتسابق للجلوس فيها، حتى يرى وجهنا الشمس لبضع دقائق قليلة. بقدر شوقنا للجلوس ببقعة الشمس هذه وحاجتنا الماسة لها، كنا نبدّل جلستنا مع أسيرتين أخريين بعد دقيقتين أو ثلاث على الأكثر، وهكذا تفعل الأخريات حتى يتسنى لأكبر عدد من الأسيرات رؤية الشمس. الغريب في بقعة الشمس الإلهية هذه أنها وإن لم تحجبها الغيوم وجاءت لزيارتنا يكون مساحتها في كل مرة تظهر بها كافٍ لأسيرتين فقط. لهذا سميتها بقعة الضوء المعجزة.

اليوم تدخلين عامك الثامن في السجن، ما أصعب عليّ قولها، عبارة صغيرة ولكنها قاتلة يا صديقتي، ما أصعب أن تعيشي في نفس الزنزانة ونفس الظروف ونفس الحياة ونفس التفاصيل ومع نفس الوجوه ونفس الطعام ونفس الحلويات ونفس المشروبات كل يوم لسبع سنوات على التوالي. ما أصعب أن تستيقظي كل صباح على صوت نفس السجانة العابسة عند الساعة الخامسة صباحًا من أجل روتين العد الممل من قبل  خمسة ضباط، بدل أن تستيقظي على صوت آذان الفجر في حيِّك الصغير صور باهر في القدس، وعلى صوت دعوات والدتك الطيبة لك.

ما أصعب أن تقضي جل يومك بزنزانة مربعة صغيرة مع رفيقاتك وأنت تشتاقين لمعنى الإحساس للحياة الخاصة والخصوصية. ما أصعب أن تعيشي في زنزانة ضيقة وتنسي فيها معنى أن يكون للباب يد ومفتاح، أن يكون لك الحق بإطفاء وإشعال ضوء المصباح متى تريدين. ما أصعب السجن وما أصعب الأمنيات حين تصبح واحدة وموحدة، ما أصعب أن تعيشي فيه وتعيش معك أمنية واحدة فقط: الحرية، ما أصعب الأمنيات في السجن يا صديقتي وما أقساها وقت المرض. ففي السجن حين تمرضين لن تفكري بالحرية وإنما ستصبح الأمنية محصورة فقط برؤية الطبيب ومنحك الدواء والعلاج المناسبين ليخفف شيئا من الألم الذي تعانين منه.

ما أصعب أن تعيشي في السجن مع الذاكرة التي تصبح أعز صديق عليك وألذ عدو لك، تؤلمك وتضحككِ في آن واحد. في السجن، ما أصعب أن تختبر الحياة صمودك، في لحظات الوجع والبرد والحر والجوع والخوف والرعب والمعاناة والحرمان، عندها تكتشفين المعنى الحقيقي للحياة والموت.

الصعوبات كثيرة في تلك الزنزانة يا صديقتي، فمنذ اللحظة الأولى التي ندخل فيها السجن نبدأ بتعويد أنفسنا على اللاعدالة واللاإنسانية واللاسهولة، في السجن تطول ساعات الانتظار، تتفاقم مشاعر الشوق، لأضعافٍ.

الانتظار يحوّل الوقت إلى اللاوقت، والشيء إلى اللاشيء، والمعنى إلى اللامعنى. في السجن تعيشين مسلوبة الحرية والأسوأ من سلب حريتك هو سلب قدرتك على الاختيار، فكل ما يحيط بك هو مفروض عليك، الملابس التي تلبسينها وألوانها، السرير الذي تنامين عليه والوسادة، الغطاء الذي تضعينه عليك، الطعام الذي تأكلينه، وقت النوم والاستيقاظ، نوع الكتب التي تقرأينها، والقنوات التلفزيونية والأفلام التي تشاهدينها، ووقت الاستحمام…

ما أصعب الإحساس أن أكتب لك الرسائل وأنا أعلم أنك لن تقرأيها، فأنا ممنوعة من إرسال الرسائل لك بشكل مباشر، كوني كنت أسيرة سابقة، فهذه الرسائل بنظر الاحتلال “تهديدٌ للأمن وتواصل مع الإرهاب”، هذه الرسائل بمنطق الاحتلال هي تهمة إضافية على لائحة الاتهام التي تفننوا في تلفيقها لنا. والأصعب من كل هذا إحساسي مع وجود الحقيقة أنك ستقضين تسع سنوات أخرى في السجن هذا.

في السجن، ورغم كل الأشياء الصعبة، رغم كل الألم والمعاناة والحرمان، رغم الغصة الدائمة والشوق القاتل كنت أنا وأنتِ المبتسمات أولًا ودائمًا. في السجن ورغم كل شيء اكتشفنا، أنّ الحياة لا تزال جديرة بالاهتمام، وأن فلسطين تستحق أن نضحي لأجلها، وأننا رغم كل شيء كنّا نبتسم كل يوم في وجه السجّانة العابسة “راحيل”.

اختفت بقعة الشمس الظاهرة في بيتي بسرعة، لم أشعر بها، بأهميتها، بدفئها، بجمالها، حلت واختفت دون أن تترك أي معنى في ذاكرتي، شتان ما بينها وبين بقعة الضوء المعجزة في السجن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!