رسالة إلى صديقي “المتنور”
صديقي الذي لم يكن متنورا يوم فرقت بيني وبينه الأيام، منذ أكثر من ثلاثين سنة، التقيته قدرا على صفحات التواصل الاجتماعي، فتابعت بعض منشوراته وعلقت عليها بما أراه مناسبا، ولكنني تعجبت من ردوده، وقلت في نفسي لعل الرجل، يريد استفزاز بعض النفوس التي اعتادت “الاتجاه الواحد”، وكثير منهم من جيله وأصدقائه القدامى، ليكشف لهم عن جديد العالم الذي سبقهم إليه وهم جزء منه…
واستمرت متابعتي لما ينشر من تعليقات، فرأيت أن الرجل ليس مجرد “معاكس” لاستنهاض الهمم، وإنما ربما أصبحت له قناعات أخرى تُحْترم، ولكنني أستغربها منه لما أعرف عنه من إيمان عميق وحفظ كتاب الله وتقديره لجهود المسلمين… ولكن كل ذلك رأيته اختفى من خلال ردوده على إخوانه ممن يخالفونه الرأي، فرأيت أن الرجل ليس مخالفا لرأي اجتهادي، وإنما هو شخص آخر غير الذي أعرفه منذ أكثر من ثلاثين سنة…
لا شك أن ثلاثين سنة تغير في الناس الكثير، ولكنها لا تغير بالضرورة الأسس الفكرية والعقدية التي تشربها في طفولته وشبابه، فيصبح المتدين مائعا، والمؤمن بضرورة الدين في الحياة حداثيا، والروحاني ماديا…إلخ.
فصاحبي المتنور الذي أوجه إليه هذه الرسالة إذن، من هذا الصنف الذي ربما كان منغلقا على نفسه، فعكف خلال هذه السنوات التي لم أره فيها على قراءة ما وصلت إليه يده من كتابات الحداثيين وطروحاتهم اللادينية، فتوصل إلى قناعات أصبحت بالنسبة إليه هي المرجع الذي لا مرجع دونه، وربما تعالى على بعض إخوانه خاصة من الذين يعرف أنهم لا يطالعون كثيرا مكتفين بمسلمات الإيمان التي تجمع بين جميع المؤمنين، مثلما قال الإمام الجويني أو الغزالي -لا أتذكر- ها أنا أموت على عقيدة جدتي… ورغم أنني لا أسلم بهذه القصة؛ لأنني مؤمن بأن إيمان العلماء أفضل من إيمان العوام، إلا أن القصة معبرة في نهاياتها، من حيث أن المؤمن في نهاية المطاف يقف بين يدي الله موحدا، عالما أو عاميا، والتوحيد من ضرورات الحياة التي تدرك بالفطرة، كما تدرك مقرراتها الثقافية والسلوكية.
وما ساءني في صديقي المتنور أنني لما عرضت عليه مشروع “منظور السننية الشاملة” للمفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث، وهو مشروع قضى فيه صاحبه نصف قرن من عمره بحثا لبلورته وعرضه للناس لتستفيد منه البشرية، وخلاصة هذا المشروع أنه استطاع تجاوز طروحات الحداثيين والمحافظين معا، وقفز بهم إلى منظور سنني ينطلق من أساسيات الخلق والغايات السامية للإنسان، فعلق صاحبي على المشروع الذي عرضت بعض مفرداته عليه بقوله: “إن مشروع السننية الشاملة حينما يصل إلى منظومة سنن الهداية تجده يوغل في العموميات، وكأنك -حسب رأيي- تتطرق إلى شعار (الإسلام هو الحل) ولكن بأدبيات مختلفة. وحتى المراجع المطروحة فهي نفسها التي كان يطرحها التيار الإسلامي الإحيائي خلال القرن الماضي”…، ورغم أن الرجل يعرفني ويعرف الدكتور الطيب عز المعرفة، وكنت أظن أنه يتوقف ولا يدلي برأي حتى يطلع على هذا المشروع أو يطلبه فنزوده به، ولكن الرجل فيما يبدو أنه بلغ مستوى من التفوق والرقي الذي يستغني به عن سنن الهداية كمحور وجودي، ولذلك رأيت من المناسب أن أطلعه على بعض ما لم يرد الخضوع له، وهو أن التجربة الحداثية وما بعد الحداثة في طريق مسدود، كما يعبر عن ذلك الفيلسوف الألماني “هارتموت روزا” صاحب نظرية التسارع الاجتماعي المفضية إلى الاغتراب، حيث أن حرية الإنسان برمتها مرهونة بالقدر الذي يجد الإنسان المعاصر نفسه في هروب إلى المستقبل ليجد نفسه غريبا عن زمنه الذي يعيش فيه.
الإنسان المعاصر الذي أنتجته الحداثة، إنسان مجرد من الكثير من معاني إنسانيته، فهو في إطار الدولة القومية “الدولة الأمة” التي نشأت في القرن السابع عشر، محاصر بجميع قيم الدولة، التي جردته من جميع أبعاده القيمية، فافتكته من الأسرة وقيمها التراحمية، وانتزعت منه الدين كبعد كوني لا يمكن الاستغناء عنه، وليس مجرد “صانع للمعنى” كما يرى صاحبنا في تعليقاته، كما فرضت عليه حرية غير الحرية التي متعه الله بها، وهي حرية في إطار قيم الدولة التي تعز من تشاء وتذل من تشاء!! سواء بمنطق الصراع من أجل الحاجة والبقاء، انطلاقا من أن الحياة برمتها ليست إلا صارعا ومصروعا، أو من أجل القضاء على الخوف القادم من الظلاميين…
إن العودة إلى مناقشة الأصول الفكرية للحداثة وما بعد الحداثة، يطول ولا يكفي معه مقالا معدود الكلمات، ولكن الخلاصة التي توصل إليها مفكرو الغرب أنفسهم، من أبناء المدارس الحداثية نفسها، هي أن المنظومة الفكرية الغربية اليوم في تراجع كبير، وقد أعلن عن هذا التراجع الكثير من الكتاب والباحثين الغربيين من فلاسفة وعلماء اجتماع وسياسيين واستراتيجيين…إلخ.
فـ”نهاية المجتمعات” لعالم الاجتماع الفرنسي “ألان تورين” [1925 – 2023]، كتاب يعلن فيه عن إفلاس النظام الاجتماعي الذي أنشأته الحداثة في الغرب ويقود العالم اليوم؛ لكونه نظاما قضى على طبيعة الاجتماعية للإنسان، التي جبل عليها ومارسها خلال عمره الطويل، وذلك بغلبة الروح الفردية على إنسان اليوم، وتفكيك كل ما لا يتماشى وهذا المعنى الفردي ذي البعد الغريزي، الذي لا يعرف معنى خارج المتعة.
فكان مما يدعو إليه هذا العالم الفرنسي هو تخليص علم الاجتماعي مما يقيده من قوى “فوق الاجتماعي”، المتمثلة في السلطة التي تمثل أم المجتمع، أو القوى النافذة من اللوبيات ومراكز النفوذ التي لا روح فيها…، وهي تمارس “شطارتها” بنفس المنطق الحداثي.
وما يكشف عن هذه القوى بدقة الفيلسوف الكندي ” ألان دونو” بكتابه القيم “نظام التفاهة”، الذي يعرض فيه إلى طبيعة المؤسسة التي تحكم العالم اليوم، والمؤسسات المنظرة لها بجميع مدارسها الفكرية، اليسارية واليمينية، التي أفرغت البشرية من أبعادها الإنسانية ومن روحها القيمية، بحيث التقت جميعها على نظام واحد هو “نظام التفاهة”، يشرف عليه التافهون في جميع المجالات، فالطبقة السياسية تافهة، ورجال الأعمال تافهون، والفنانون المبدعون المنتجون للآداب والفنون تافهون، والمؤسسات الإعلامية أكثر تفاهة؛ لأنها هي التي صنعت هؤلاء التافهين كلهم، عبر الحملات الإعلامية التلميعية، للشخص والفكرة والموقع والمؤسسة والدولة، وقد أحسن هربرت تشيلر عندما أطلق على المؤسسات الإعلامية في الغرب وفي أمريكا تحديدا عبارة “المتلاعبون بالعقول”، في كتابه القيم الذي جاوز الـ240 صفحة، يشرح فيه كيفية التلاعب بالعقول الذي تمارسه المؤسسات الإعلامية.
ولا أظن صاحبنا الذي لا يرى في الدين إلا مجرد مقرر للمعنى في الحياة، ولو لم يكن للمعنى هدفا إلا اللذة والمتعة، يجهل أن المعنى المنفصل عن حركة الوجود وربطها بالغيب بالإيمان بالله واليوم الآخر، لا معنى له إلا الشهوة القاصرة التي تنقضي بقضائها، على خلاف “المعنى” الإيماني الذي يرتقي بصاحبه إلى الخلود الذي يخزن المعنى في مخزون “الصدقة الجارية” المتمثلة في الولد الصالح، لبناء المجتمع المتصالح ما ذاته وباني علاقاته الاجتماعية الرصينة التي تبدأ من علاقة الأب بابنه، والعلم الذي ينتفع به في حركة علمية معلومة علَّمها وكتاب تركه بعده أو نشره وانتفع به الناس ونظرية في العلوم الإنسانية وغيرها من صور النظريات العلمية التي ينتفع بها الناس، وصدقة جارية مؤسسة خدماتية للمجتمع ينتفع بها الناس، كانت في القديم بئرا ومسجدا ومدرسة قرآنية ويمكن تطوريها اليوم إلى مستشفى مركز أبحاث وجامعة…إلخ.
إن الغرب يا صديقي قد أعلن أهله عن إفلاسه، وما أظنك تجهل أيضا ما كاتبوا قديما أمثال ألكسيس كاريل في كتابه “الانسان ذلك المجهول”، وروني غينون “أزمة العالم المعاصر”، ورينه دوبو الأمريكي “إنسانية الإنسان”، أما المعاصرون فكثر أيضا أمثال عالم الاجتماع زيجمونت باومان البريطاني البولندي الأصل البريطاني صاحب “السوائل”، ونظرية عالم متعدد الأقطاب لالكسندر دوغين الروسي، الذي يعيب على الغرب توجهه الأحادي وتجاهلها للثقافات الأخرى التي لها فضل كبير على الإنسانية وأخيرا “هزيمة الغرب” لإيمانويل تود الفرنسي الذي صدر في مطلع العام 2024.
أتمنى من صديقي المتنور أن يكتشف نفسه من جديد، ويزودها بما فقدت خلال الثلاثين سنة هذه التي فرقت بيننا، في مراجعة هادئة بينه بين نفسه، ليكشف عن الاختلالات التي طرأت عليه بسبب العزلة التي فرضها على نفسه أو فرضت عليه واستقرت كمسلمات يصعب الكشف عنها (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ) [الحديد 16].