الرأي

رسالة جديدة من “فرنسا القديمة” إلى الجزائر…!

ها قد عاد الفرنسيون يطرقون مجددا باب الجزائر، بعدما ضاقت بهم السبل، في ظل الأوضاع الداخلية والدولية المحيطة بهم، حاملين هذه المرة “رسالة جديدة” عنوانها “العزم على بناء علاقة قائمة على الاحترام والندية والهدوء والثقة، والنظر إلى تاريخنا بكل تبصر وشجاعة وصدق”، وفق تعبير مبعوثة ماكرون إلى الرئيس تبون، الوزيرة أليس روفو.

بل إن باريس تستعجل “الخطوات العملية لكي تكون الأشهر القادمة مفيدة لمصالح وعلاقات البلدين”، خاصة بعد أن أبدى الرئيس تبون موافقته على استئناف “اللجنة المشتركة للتاريخ والذاكرة”.

إننا نثق في تقدير السلطات العليا لبلادنا لاتخاذ القرار المناسب، وفق خصوصيات العلاقات الجزائرية- الفرنسية بكل ملابساتها التاريخية ومقتضياتها الواقعية وآفاقها المستقبلية، بناء على التحديات المشتركة والرهانات الإقليمية والدولية.

كما نشدّ على يد القيادة الوطنية في إدارتها النديّة والسيادية لملف العلاقات السياسية والاقتصادية مع فرنسا الاستعمارية، بما يخدم المصالح العليا للدولة الجزائرية، بعيدا عن منطق الارتهان والابتزاز أو الوصاية البائدة، حتى وإن كنا مبدئيا غير متفائلين بجدية الفرنسيين في مسعاهم الجديد، بناء على كثير من التجارب السابقة، القريبة منها والبعيدة.

في كل المحطات المفصلية مع الجزائريين، غدرت بهم فرنسا، ولا نظنها اليوم تعدل عن أخلاقها الدنيئة وطباعها المتأصلة في الخيانة، وقد حدث ذلك مع دخول الاحتلال الغاشم بلاد البواسل، يوم خدع الجنرال دي بورمون الداي حسين، منتهكا كافة شروط الاستسلام وتسليم مدينة الجزائر التي عاث فيها نهبا وفسادا، فلم تسلم من خرابه الوحشي حتى قبور الموتى من النبش وتحويل عظامها إلى مصانع الصابون بمرسيليا، ناهيك عما أوقعه من أضرار بحرية السكان ودينهم وممتلكاتهم.

وتكرّرت الخديعة الشنيعة مع المقاوم المغوار، الأمير عبد القادر، فقد أرادت فرنسا البغيضة إذلال البطل الذي أرعب قادتها العسكريين، باقتياده إلى سجنها في تولون عام 1948، عوض تركه يهاجر وأتباعه أحرارا طلقاء نحو الإسكندرية أو إلى عكا بفلسطين، مثلما اشترط على الجنرال لاموريسير لإنهاء الحرب، ليقضي سنوات منفاه في ظروف سيئة قبل الرحيل إلى تركيا ثم دمشق.

أما مجازر 08 ماي 1945، التي نحيي هذه الأيام ذكرى فاجعتها الشنيعة، فستبقى العلامة الفارقة على نذالة الفرنسيين، هؤلاء الجبناء الذين عجزوا عن صدّ ألمانيا النازية، فوعدوا الجزائريين بالحرية مقابل إسنادهم قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، لكن الجنرال ديغول واجههم بالرصاص يوم الاحتفالات بانتصار دول المحور، حتى سقط منهم 45 ألف شهيد.

إذا رحنا نسرد خيانات الفرنسيين، فلن نحصيها عدّا، لكن المتيقّن منه أنهم لم يتغيروا في طباعهم السيئة، ولا تزال نخبُهم في الحكم والسياسة مسكونة بثقافة الاستعمار القديمة، ويؤرّقها حنين “الفردوس المفقود”، ما يرسم الغشاوة على بصائرهم العمياء ويحُول دون إدراكهم تحوّلات العصر والجغرافيا، ولن يكون آخرهم ذاك الماكر الصغير.

سيظلّ العنوان الأبرز لعهد إيمانويل ماكرون هو “لعبة المناورة والمقايضة الدنيئة”، فقد عشنا معه حادثة التهريب الشهيرة لرعية جزائرية من الإقليم الوطني، وموقف الطعن في الظهر بشأن الملف الصحراوي، ناهيك عن نكرانه الأرعن لحقيقة الأمة الجزائرية، وكلامه المجافي لكل قيم اللباقة الدبلوماسية حول قضية صنصال قبل الإفراج عنه، وصولا إلى ما هو أخطر بتنفيذ اختطاف دبلوماسي محصّن بقوة القوانين الدولية، ولا ندري ما يخفيه المستقبل؟

إنّ ما جرى حتى الآن، ليس سوى التعبير الفعلي عن سلوك الفرنسيين، فما عرفهم التاريخ في علاقتهم بالجزائريين منذ قرنين إلا خونة من سفلة الغدر والتنكّر، إذ لا عهودا مؤتمنة معهم ولا ميثاقا محفوظا عندهم، ومن اعتقد فيهم سوى ذلك فما عرفهم حقّ المعرفة.

سيقول البعض: ما العمل إذن مع فرنسا إذا كانت لا تعتبر من دروس التاريخ؟ وكيف يستقيم هذا الأمر بينما بدأت للتو السلطات الجزائرية فتح صفحة جديدة، كما يحصل إثر كل أزمة مستجدّة؟

لا شكّ أن العاقل هو من يفكّر بهدوء وبراغماتية واقعية، موازاة مع تشبثه بمبادئ العقيدة السيادية التي لا تقبل الدنيّة في الوطنية، لأنها صمام الأمان لحفظ المصالح العليا للوطن.

إذا كانت قضية التعاطي مع مناورات العدو التقليدي متروك شأنها لمؤسسات الدولة المخولة، وفق ما يتوفر لها مؤشرات موضوعية للترجيح ونهج المقاربة السليمة، فإنّ أفق التعاون وبناء مستقبل أفضل مع فرنسا الكولونيالية يظل دوما محفوفا بالريبة والحذر الكيّس، وليس من مصلحة الجزائر تضييعُ مزيد من الوقت، بل وجب التركيز على تأمين مصالحها الحتمية مع باريس والتفرّغ لاستكمال طريقها مع شركائها الآخرين ممن يبادلونها الإرادة والإخلاص، على حد تعبير الرئيس تبون.

مقالات ذات صلة