الرأي

رسالة من تحت الماء الآسن

حبيب راشدين
  • 2466
  • 0

مايزال الحدث الذي‮ ‬صنعه الأعشار التسعة‮ ‬يهيمن على الساحة السياسية والإعلامية،‮ ‬وقد حق لهن ولهم أن‮ ‬يهنئوا أنفسهم على هذا النجاح الإعلامي‮ ‬على الأقل،‮ ‬حتى مع توقف المبادرة عند باب ساعي‮ ‬البريد بقصر المرادية،‮ ‬وتجاهل الرئاسة للطلب واعتبار المبادرة‮ “‬لا حدث‮”‬،‮ ‬وهي‮ ‬كذلك،‮ ‬سواء من حيث هوية ووزن المبادرين،‮ ‬أو من جهة محتوى الرسالة‮.‬

من جهة هوية الزمرة،‮ ‬ومع ما‮ ‬يلزمنا من تقدير واحترام للمجاهدين والمجاهدات الواردة أسماؤهم على رأس الموقعين،‮ ‬فإن انخراطهم في‮ ‬مبادرة بلا مضمون،‮ ‬ولا أفق،‮ ‬إلى جانب شخصية مثيرة للجدل مثل وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي،‮ ‬أو التروتسكية لويزة حنون،‮ ‬وبعض الوزراء السابقين من الصف الثاني،‮ ‬لا‮ ‬يستبعد أن‮ ‬يكون قد‮ ‬غُرِّر بهم للتغطية على عورة بقية الموقِّعين ليس إلا‮.‬

المبادرة من جهة التشكيلة‮ ‬غلب عليها الطابعُ‮ ‬النسوي‮: ‬عشر مقابل تسعة للذكور،‮ ‬قلبها الصلب‮: ‬تشكيلة نسوية من بعض إطارات وزارة الثقافة كن قد رحلن مع خليدة تومي‮ ‬من الوزارة،‮ ‬فكنّ‮ ‬أول من رحل من المبادرة،‮ ‬واعتذر بدعوى التغرير والسذاجة،‮ ‬وهي‮ ‬مبادرة نسوية،‮ ‬من جهة تفرّد خليدة تومي‮ ‬وحنون بمهمة الحديث بالوكالة عن الزمرة‮.‬

ومن جهة المضمون،‮ ‬فإنها قد أعادت تدوير بعض المآخذ التي‮ ‬لا‮ ‬يختلف حولها اثنان،‮ ‬على كثير من أوجه القصور في‮ ‬إدارة الشأن العام،‮ ‬مآخذ قديمة،‮ ‬لا صلة لها بمرض الرئيس،‮ ‬وكانت قائمة‮ ‬يوم كانت خليدة تومي‮ ‬عضواً‮ ‬في‮ ‬الحكومة،‮ ‬وكانت قائمة‮ ‬يوم كانت حنّون تُغيظ قلوب رفاقها في‮ ‬المعارضة بموقف متفرّد مدافع عن سياسة الرئيس‮.‬

ولعل الجهة المحرِّكة خلف الستار،‮ ‬لها صلة بالانقلاب الأبيض الذي‮ ‬وحّد رأس السلطة،‮ ‬وقطع الرأس الثانية التي‮ ‬كانت تنازع الرئيس في‮ ‬صلاحياته خارج مقتضيات الدستور،‮ ‬وجاءت كامتداد لخرجات فردية لبعض المحسوبين على الفريق توفيق المقال مثل الجنرال بن حديد،‮ ‬وربما تنذر بمبادرات أخرى قد‮ ‬يقدم عليها المتضررون من رحيل الرجل الغامض،‮ ‬وهم كثر،‮ ‬سواء داخل مؤسسات الدولة والإدارات،‮ ‬أو داخل مكوّنات المشهد السياسي‮ ‬والجمعوي‮.‬

كيفما قلَّبتَ‮ ‬الأمور،‮ ‬لن تجد مبررا سياسيا واحدا لهذه المبادرة،‮ ‬التي‮ ‬نجحت حتى الآن فقط في‮ ‬إضافة مزيدٍ‮ ‬من التشويش على مشهد سياسي‮ ‬مشوَّشٍ‮ ‬ومضطرب أصلا،‮ ‬وأنتجت جعجعة إعلامية،‮ ‬صرفتنا عن التفكير في‮ ‬جدِّية ما صدر عن الرئيس مؤخرا بشأن التعديل الدستوري،‮ ‬ووعوده بمزيد من الانفتاح على المعارضة،‮ ‬وربما‮ ‬يكون هذا هو الهدف ليس أكثر،‮ ‬خاصة وأن كثيرا من ساحات المشاغبة قد أُغلقت؛ فقد سكنت فتنة‮ ‬غرداية،‮ ‬وأُغلقت ساحة المشاغبة بالغاز الصخري،‮ ‬ونفذ الدخول الاجتماعي‮ ‬في‮ ‬جو من الهدوء،‮ ‬وأهمّ‮ ‬من ذلك نجاح الجيش الوطني‮ ‬الشعبي‮ ‬والمؤسسات الأمنية حتى الآن في‮ ‬إغلاق الحدود أمام التهديدات الإرهابية الوافدة من الجنوب والشرق‮.‬

والحال لم‮ ‬يبق بيد من‮ ‬يريد مشاغبة السلطة سوى اللعب بورقة مرض الرئيس،‮ ‬وإعادة تدوير المادة‮ ‬88‮ ‬التي‮ ‬جربتها المعارضة من قبل،‮ ‬أو ربما التعويل على تحريك قوة من داخل السلطة تغري‮ ‬بتكرار تجربة بن علي‮ ‬مع بورقيبة،‮ ‬وتلكم هي‮ ‬الرسالة المشفرة داخل رسالة الأعشار التسعة‮. ‬

مقالات ذات صلة