رسالة من تحت الماء الآسن
مايزال الحدث الذي صنعه الأعشار التسعة يهيمن على الساحة السياسية والإعلامية، وقد حق لهن ولهم أن يهنئوا أنفسهم على هذا النجاح الإعلامي على الأقل، حتى مع توقف المبادرة عند باب ساعي البريد بقصر المرادية، وتجاهل الرئاسة للطلب واعتبار المبادرة “لا حدث”، وهي كذلك، سواء من حيث هوية ووزن المبادرين، أو من جهة محتوى الرسالة.
من جهة هوية الزمرة، ومع ما يلزمنا من تقدير واحترام للمجاهدين والمجاهدات الواردة أسماؤهم على رأس الموقعين، فإن انخراطهم في مبادرة بلا مضمون، ولا أفق، إلى جانب شخصية مثيرة للجدل مثل وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي، أو التروتسكية لويزة حنون، وبعض الوزراء السابقين من الصف الثاني، لا يستبعد أن يكون قد غُرِّر بهم للتغطية على عورة بقية الموقِّعين ليس إلا.
المبادرة من جهة التشكيلة غلب عليها الطابعُ النسوي: عشر مقابل تسعة للذكور، قلبها الصلب: تشكيلة نسوية من بعض إطارات وزارة الثقافة كن قد رحلن مع خليدة تومي من الوزارة، فكنّ أول من رحل من المبادرة، واعتذر بدعوى التغرير والسذاجة، وهي مبادرة نسوية، من جهة تفرّد خليدة تومي وحنون بمهمة الحديث بالوكالة عن الزمرة.
ومن جهة المضمون، فإنها قد أعادت تدوير بعض المآخذ التي لا يختلف حولها اثنان، على كثير من أوجه القصور في إدارة الشأن العام، مآخذ قديمة، لا صلة لها بمرض الرئيس، وكانت قائمة يوم كانت خليدة تومي عضواً في الحكومة، وكانت قائمة يوم كانت حنّون تُغيظ قلوب رفاقها في المعارضة بموقف متفرّد مدافع عن سياسة الرئيس.
ولعل الجهة المحرِّكة خلف الستار، لها صلة بالانقلاب الأبيض الذي وحّد رأس السلطة، وقطع الرأس الثانية التي كانت تنازع الرئيس في صلاحياته خارج مقتضيات الدستور، وجاءت كامتداد لخرجات فردية لبعض المحسوبين على الفريق توفيق المقال مثل الجنرال بن حديد، وربما تنذر بمبادرات أخرى قد يقدم عليها المتضررون من رحيل الرجل الغامض، وهم كثر، سواء داخل مؤسسات الدولة والإدارات، أو داخل مكوّنات المشهد السياسي والجمعوي.
كيفما قلَّبتَ الأمور، لن تجد مبررا سياسيا واحدا لهذه المبادرة، التي نجحت حتى الآن فقط في إضافة مزيدٍ من التشويش على مشهد سياسي مشوَّشٍ ومضطرب أصلا، وأنتجت جعجعة إعلامية، صرفتنا عن التفكير في جدِّية ما صدر عن الرئيس مؤخرا بشأن التعديل الدستوري، ووعوده بمزيد من الانفتاح على المعارضة، وربما يكون هذا هو الهدف ليس أكثر، خاصة وأن كثيرا من ساحات المشاغبة قد أُغلقت؛ فقد سكنت فتنة غرداية، وأُغلقت ساحة المشاغبة بالغاز الصخري، ونفذ الدخول الاجتماعي في جو من الهدوء، وأهمّ من ذلك نجاح الجيش الوطني الشعبي والمؤسسات الأمنية حتى الآن في إغلاق الحدود أمام التهديدات الإرهابية الوافدة من الجنوب والشرق.
والحال لم يبق بيد من يريد مشاغبة السلطة سوى اللعب بورقة مرض الرئيس، وإعادة تدوير المادة 88 التي جربتها المعارضة من قبل، أو ربما التعويل على تحريك قوة من داخل السلطة تغري بتكرار تجربة بن علي مع بورقيبة، وتلكم هي الرسالة المشفرة داخل رسالة الأعشار التسعة.