-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رسالـة التفكيـر في التكفير (1)

الشروق أونلاين
  • 2681
  • 3
رسالـة التفكيـر في التكفير (1)

أكيدٌ أنك كائن اجتماعي، بمعنى أنّ الله قد ركز فيك من الرغبات والنوازع والتطلعات، ما لا تستطيع بمفردك أن تحقق لها الاشباع اللازم، كما ركز فيك بعض الكمالات والقابليات، لا تستطيع أن تنمو وتزكو إلا في إطار اجتماعي؛ أي إطار، يضيق حينا ويتسع حينا آخر، لكن حسبه أنّه إطار اجتماعي، الذي من بين وحداته: الأسرة، العشيرة، القبيلة، القوم، الطبقة، الجماعة، الطائفة، العصبة، الأمة …

 

 ومهما يكن حجم هذه الوحدات السياسية وتعدادها، فهي ليست ذلك العدد من البشر الذي يتقاسم حياة بيولوجية في رقعة جغرافية محدّدة، بل إنها إرادة واعية مستمدّة من طبيعة العلاقات القائمة بين الأفراد، هذه العلاقات لن تكون إلا على أساس رؤية كونية، تحدد المنطلق والغاية، والسبيل بين هذا وذاك، وتحدد معالمها كذلك، لأنّ القصديّة أمر جوهريّ في الفعل الإنساني، إذ به يكتسب صفةالتاريخية، وبذلك فقط تضفى الشخصية على الأفراد،والمجتمعية على التجمع البشري.”فتجمعات الأفراد الذين لا يعدّل الزمن من علاقاتهم الداخلية، ولا تتغير أشكال نشاطهم خلال المدة، لا تعدّ من التجمعات الخاصة التي تقصدها بمصطلح “المجتمع”(1)  .

وقد اختار القرآن الكريم مصطلح الأمة لتحريك نسقه الـمفهومي في الاجتماع البشري على أوسع نطاق وأعمقه.وإن كان قد حل محله بعد ذلك مصطلح ” الجماعة”

ونحن عندما نستنطق معاجم اللغة حول مفهوم الأمة، نجد _مثلا- في كتاب “المفردات” للراغب الأصفهاني:”والأمة كل جماعة من الناس يجمعهم أمر ما؛ إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا” (2)، وفي نفس المعجم نجد كذلك:”والأَم: القصد المستقيم، وهو التوجّه نحو مقصود” .(3)

أما في “معجم مقاييس اللغة” لابن فارس، فقد ورد:”أمَّ، وأما الهمزة والميمُ فأصل واحدٌ، يتفرّع منه أربع أبواب وهي: الأصل، والمرجع، والجماعة، والدين” . (4)

من خلال هذه التعريفات اللغوية نستنبط المعالم الكبرى التي يتحرّك في إطارها مصطلح الأمة، وهي: جماعة، حركة، مقصد، هدف، قرار واع، سبيل، رؤية …

وفي هذا يقول الدكتور “علي شريعتى”: “كلمة أمة، مأخوذة من أمَّ، بمعنى قصد وعزم. وهذا المعنى يتركب من ثلاثة معان: حركة، هدف، قرار واع، وحيث أن “أمّ” تنطوي في أصلها على مفهوم “التقدم”؛ أيضا يضحى هذا المعنى مركّبا من أربعة معان:اختيار، حركة، تقدم، هدف (…)، فالإسلام لم يعتبر الدم أو التراب، أو التجمّع، أو الاشتراك في المقصد والعمل وأدواته، أو العرق، أو الاعتبار الاجتماعي وطراز المعيشة … الرابط الأساس بين أفراد الإنسانية. ليس أيّ من هذه العلائق. إذن فما هو الرابط الأساس والأقدس في نظر الإسلام ؟. إنّه “المسير(5) .

فالأمة جماعة من الناس تسير بقرار واع ناتج عن إرادة مشتركة، بين منطلق وغاية، اهتداء بمجموعة من المعالم.

 وقبل أن تصير الأمة هكذا، تكون قد خضعت لإجراء حاسم ذوّب الكُلّ في الكُلّ، وهذا الاجراء يسمى في القرآن “التأليف” قال تعالى:”وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِجَمِيعاًمَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (الأنفال 63)، وقال سبحانه: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ” (النور 43).

وخلال عملية التأليف تخضع العناصر للفقد والاكتساب استعدادا لــتلقّى المعنى المشترك، أو لإنتاج المعنى المشترك، تماما كما يؤلف الشاعر بين الكلمات من أجل إنتاج القصيدة، وكما يؤلف الموسيقي بين الأنغام من أجل إنتاج اللحن، وكما يؤلف الله سبحانه بين السحاب من أجل إنتاج الماء ! .

إن “المجتمع مركّب حقيقي من أنواع المركّبات الطبيعية، لكنّه تركيب بين الأرواح والأفكار، والعواطف والتطلعات والإرادات؛ أي أنه تركيب ثقافي، لا تركيب بين الأجسام والأجساد. فكما أن العناصر المادية تتفاعل لتوليد مركّب ذي خصائص جديدة، كذلك أفراد البشر، يدخلون معترك الحياة بما جهزوا به من قدرات فطرية وقدرات اكتسابيه من الطبيعة، فيندمجون روحيا، ويشكلون روحا جديدة يطلق عليها اسم “الروح الجماعية(6) .

ولا يكون هذا الاندماج الروحي إلا عندما يخضع الأفراد للــتركيب الثقافي، كلا حسب موقعه ودوره، وطاقته وجهوزيته النفسية والروحية، فيأخذ كل واحد من فكرة التركيب والتأليف ما يمكنّه أن يكون عنصراً متآلفا مع الكل في إطار “الروح الجماعية” .

إن فكرة التركيب، أو مبدأ التأليف ليتصّرف تماما كما تتصرف النقود، ليأخذ كل واحد منها بحسب موقعه من المجتمع ودوره والتزامه. قال الله تعالى واصفا كتابه في كتابه: “وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا” (الفرقان 50). يقول الشهيد “سيد قطب” في معرض تفسيره لهذه الآية الكريمة: “فعرضناه عليهم في صور شتى، وأساليب متعدّدة ، ولفتات متنوعة، وخاطبنا به مشاعرهم ومداركهم، وأرواحهم وأذهانهم، ودخلنا عليهم به من كل من أبواب نفوسهم، وبكل وسيلة تستجيش ضمائرهم … “ليذكّروا(7) .

وعلى قدر تمسّك كل فرد، أو كل فئة بالنصيب الذي يصبغها من المبدأ العام، يكون إيمانها به، وعلى قدر تهاونها فيه، يكون كفرها به، سواء كان ذلك الايمان أو الكفر من طرف الفرد أو من طرف الجماعة، أو من طرف الحاكم، أو من طرف المحكوم، فلكلّ طرف من هذه الأطراف جميعها شروط إيمانه ودلائل كفره.

إن إسلامك فردا وإيمانك يتمّان بمجرّد ما تنطق بالشهادتين حرّا مختارا، ثم تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة إن كنت ذا غني، وتصوم رمضان إن كنت له مطيقا، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، مع ما تغلُّه هذه الأركان من أخلاقيات وتوجيه من تصرفات.

هكذا تسلم فردا، وهكذا تؤمن، ثم إن أمامك بعد ذلك سلّما إيمانيا موصلا إلى الدرجات العلا، لن تناله إلا عبر رياضة روحية ومجاهدة وكدح، يترقّى فيه الأفراد على حسب قدرتهم على تزكية الروح والقلب، والنفس والشعور، وتطهير السلوك والضمير.

أماإسلام المجتمع أو إيمان المجتمع، فيقوم على أسس غير هذه، ويتم بشروط مخالفة لتلك، والتي من خلالها، تشهد لمجتمع بالإيمان، أو نحكم عليه بالكفر.

إن الإسلام المجتمعي يقوم على ما يلي:

1–إسلام أفراد المجتمع: لأنّ الأفراد هم اللبنات المؤسسة لأي بناء اجتماعي، وهم الذين من خلال إرادتهم المشتركة – ينبغي عليهم أن يعطوا للمجتمع صبغته ووجهته.

إذ ليس من المنطقي أن يكون مجموع أفراد مسلمين يساوي مجتمعا كافرا! … ليس منطقيا أن تكون نتيجة العدّ مخالفة لجنس المعدود ! … فنحن لا نحصي عشرين بقرة لنحصل على إسطبل من الأحصنة !! …

2–الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

إن هذا الإجراء هو سلوك خلقي، وواجب شرعيّ، ونصّ تشريعي. وإن شئت قل: هو التزام أخلاقي يقوم من خلاله الأفراد المنتمون إلى المجتمع بنبذ كل منكر ومحاربته، وإقرار كل معروف وتزكيته، لأن في ذلك خير ضمان لبقاء الاسلام الاجتماعي وديمومة إيمانه.

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر “ضريبة سلوكية” يلتزم بـــدفعها الأفراد جزاء ما هم يعيشون في مجتمع مسلم، يحفظ لهم الكرامة الانسانية ويزكّيهم إيمانيا. وقد استحقت جماعة بني إسرائيل اللعْن لما تخلّت عن أداء هذه الضريبة الأخلاقية والالتزام السلوكي اتجاه المجتمع ، قال تعالى : “لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوامِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ” (المائدة 78-79)، وكل مجتمع يقترف نفس الخطيئة يستوجب نفس العقاب من الله !.

وإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمقوّم أساس في “الخيرية المرتجاة” في أمة الإسلام، مصداقا لقوله تعالى “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” (آل عمران 110).

وقد يكون من المفيد لبعض القرّاء البسيطاء، الذين لا يفهمون بعض أساليب العربية في الخطاب، قد يكون من المفيد لهم أن نعيد تركيب الآية كما يراد لها أن تفهم، فتكون هكذا: إنكم خير أمّة أخرجت للناس إذا أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر وآمنتم بالله. وبهذا يستقر في أذهان المسلمين أن الخيرية جهاد ومجاهدة، يحدّدان دورا حركيا ورساليا من خلال المنطلقات التصوّرية الثلاث.

إننا لسنا “شعب الله المختار” ولسنا “أبناء الله وأحباءه”، ولسنا “خير أمة أخرجت للناس”، إلا إذا زكينا المنطلقات الثلاثة وتزكّينا من خلالها.

“فلا مجال للحديث عن عنصرية إسلامية، أو حالة استعلائية على المستوى الفئويّ، بل القضية قضية استقامة في الفكرة والعمل على أساس الخطاب الإسلامي المتنوع في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باعتبار ذلك – وحده – هو أساس الفلاح (…) وإذا درسنا الآيات التي تحدثت عن هذا المضمون، فإننا نلاحظ أنّها لم تخص بأمة دون أمة، لأنها الخط المستقيم الذي أريد للإنسانية أن تسير عليه في خط الأنبياء على هدى الرسالات الإلهية (8) .

إذن، إن كل مجتمع يتخلّى أفراده، وتتخلّى مؤسساته عن أداء هذه الضريبة السلوكية يكون قد أخلّ بشرط أساس من شروط إيمانه، والذي من دونه يبقى إسلامه غير محقق، وإن ظلّ أفراده يلوكون الإيمان – معرفة وتراثا – كما تلوك الإبل الجائعة النبات الشوكي!..

.

الهوامش:

1- مالك بن نبي: ميلاد مجتمع. تر: عبد الصبور شاهين. دار الفكر، دمشق، 1910، ص 13.

2ـ  الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، دار المعرفة، لبنان، ط3-2001، مادة. أم

3ـ  المرجع نفسه.

4ـ ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، كتاب الهمزة.

5ـ  د. علي شريعتي: الأمة والإمامة. تر: أبو علي، مؤسسة الكتاب الثقافية 1367، ص 32.

6ـ  الشهيد مرتضى مطهّري: المجتمع والتاريخ. القسم الأول تعريب: محمد علي آذرسي، طهران، 1403 ه، ص 17-18.

7ـ  الشهيد: سيد قطب: في ظلال القرآن، المجلد 5، الجزء 19، ص : 2570.

8ـ  السيد: محمد حسين فضل الله: تأمّلات في كلمة الأمة في القرآن ، مجلة المنطلق تصدر عن الاتحاد اللبناني، العدد 70، أيلول 1990، ص 19.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • نورالدين الجزائري

    1 الأمر بالمعروف 2 النهي عن المنكر 3 الإيمان بالله : دقة متناهية جدا في بناء أمة حيث بدأت الأية بالمعروف و هو كل ما تعرف عليه الناس ثم ذكر المنكر و هو كل ما يكرهه الناس و يخجلون منه و أخيرا الإيمان بالله تعالى و كأن الفطرة السليمة تدفعنا إلى الخير و هو بديهي عفوي في نفس كل فرد في المجتمع و الأية لم تتكلم عن الحلال و الحرام و لكن المعروف يؤدي حتما إلى الإيمان لأن النفس خلق الخالق لابد أن ترجع إليه { ألهمها فجورها و تقواها } الإلهام صورة من الوحي ، إن الفرد هو الذي يبني هرم أمة سليمة عالمة متخلقة

  • نورالدين الجزائري

    هناك أمر أساسي و جوهري في بناء مجتمع سالم و الرقي و الوصول إلى أمة خير تذكر و تشكر ، إنه الفرد اللبنة الأولى لكل مفهوم إجتماعي الحديث عنه { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } 11 الرعد و كلام الأية يجري على إطلاقه و أكثر من ذلك : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقاب فما بالنا إذا كثر الظالمين ؟! و الله تعالى لا يتدخل في تغيير المجتمع إذا فسدت النفوس و أصبحت لوامة يقول الحق تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس ... } فيها ثلاثة محاور أساسية و هي يتبع

  • حكيم

    السلام عليكم،شكرًا على هذه الكلمات الحية،التي تحدث في النفس توترا إيجابيا ،ورغبة في التغيير ،بمجرد الانتهاء من قراءتها،وارجوا منكم ضخ المزيد من هذه الأفكار ،فالحصاد يأتي بعد البذر.