رسالـة التفكيـر في التكفيـر (3)
الحقيقة التي يجب أن يعلمها الجميع، حيثما كانوا وكيفما كانوا، هي أنّ الكفر بحاكمية الله يتفرّع إلى إجراءين متكاملين، أوّلهما: الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا يكون من الحاكمين ملوكا ورؤساء، ومن يسير في ركابهم من الفقهاء وعلماء الشريعة. وأمّا الآخر: فهو الاحتكام إلى غير ما أنزل الله، وهذا يكون من المحكومين؛ أي من المستضعفين، الذين يعتقدون أنه بمجرّد إدراك هذا الوضع والتصريح به، يكونون غير ملزمين بمسؤولية التحرّر من وضع الاستضعاف، بالتحرّك الإيجابي المنظم نحو حاكمية الله.
قال الله سبحانه وتعالى: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا: فِيمَ كُنْتُمْ؟ قَالُوا:كُنَّا مُسْتَضْعَفِين فِي الْأَرْضِ. قَالُوا: أَلَمْ تَكُن ْأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا، فَأُولَائِك َمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا”(النساء: 97).
إن هؤلاء المستضعفين – ككل المستضعفين في كل عصر وفي كل مصر – هم المسؤولون – بطريقة أو بأخرى – عن وضعيّتهم ووضعية قاهريهم من المستكبرين، لأنّ عليهم أن يتحرّروا من الأوضاع الكافرة، والمنطق والكافر والوضع العبوديّ، ليتحرّر قاهروهم من الأوضاع الكافرة والمنطق الكافر والوضع الاستعبادي.
ولو أنّهم أرادوا الحريّة لوجدوا إليها عشرات السّبل، ولوضعت بين أيديهم إمكانات شتّى ووسائل فعّالة، لكنّهم ألفوا الحياة من غير مسؤولية، وألفوا السّير في غير اتّجاه، واستسهلوا الحياة من غير التزام إيماني، ومن غير انتماء حركي، قد يكلّفهم جهدا وعناء، وقد يدفعهم إلى مجاهدة أو جهاد، وقد يقمع فيهم بعض الشهوات، وقد يردع فيهم بعض الأهواء، فيفوت عليهم شيئاً من حطام الدنيا ! … “إن الوسائل التي يعتبرها الإسلام رافعة للعذر في حساب المسؤولية لا تنحصر في الوسائل المباشرة التي يمكن أن تصارع القوّة الغاشمة. بل تشمل الوسائل غير المباشرة التي تصل إلى أهدافها في مدّة بعيدة، أو الممارسات التي يكتفي فيها الإسلام بابتعاد الإنسان عن أجواء الضغط الفكري والعملي، ليتنفس في جو فكري وعملي يستطيع أن يمارس فيه حريّة الحركة بعيدا عن كل ما يعطل قوة الإدراك عن التحرك في الاتجاه السليم ولا فرق في ذلك بين حالات الاستضعاف على مستوى الأفراد، وبين حالات الاستضعاف على مستوى الجماعات والشعوب (1) .
وإذا كان المستكبر سيدخل النّار لأنّه لم يستطع أن يتحرّر من الاستكبار، ولم يتحرّك في اتجاه ذلك التحرّر، فإنّ المستضعف سيدخل النار كذلك لأنه لم يستطع أن يتحرّر من الاستضعاف، ولم يتحرّك في اتجاه ذلك ! … ومن ثمّ، فلا شيء يساوي إثم الحكم بغير ما أنزل الله سوى إثم الاحتكام إلى غير ما أنزل الله.
وفي موضع آخر من القرآن الكريم يزداد إثم الحاكمية اتضاحا وتفصيلا، فنجده يطال المجتمع كلّه، فكلّ فئة من فئاته تساهم في صناعة هذا الإثم، وأوّل هذه الفئات هي التي يقول الله سبحانه في شأنها: “إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ، يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَاب ِاللَّه ِوَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ،فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَائِكَ هُمُ الْكَافِرُون” (المائدة: 44).
إنها فئة الأحبار والرهبان والربّانيين، والفقهاء والعلماء وشرّاح الشرائع. فهؤلاء – في نظر الناس- مشرّعون وناطقون باسم الشريعة، أو موقّعون نيابة عن ربّ العالمين، إنهم بمجرّد ما يصنعون بدائل تشريعية أو دستورية لا تتّسق ضمن الإطار العام للحاكمية، وبمجرّد ما يحرّفون الكلم عن مواضعه ليفقد معناه الحقيقي، أو ليكتسب معنى آخر غير معناه، وما يكون ذلك منهم إلا خوفا من الناس، أو تربيتا على مشاعر الناس الجاهلية، أو سعيا وراء كسب ماديّ، أو تملّقا لذي سلطان، إنهم بمجرّد ما يفعلون ذلك، ويقومون بهذا الإجراء التبليسي ّوالتّلبيسي، فإنهم كافرون.
أما في شأن الفئة الأخرى، فيقول الله تعالى: “وكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، وَالأَنفَ بِالأَنفِ، وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ، فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ لَم ْيَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون” (المائدة: 45).
إنها فئة السلاطين والحكام، الذين يملكون الأداة لتطبيق الشرائع أو استصدارها، فهؤلاء ظالمون في ثلاثة اتجاهات: فهم ظالمون – أوّلا – اتجاه المشرعين، وذلك حين طالبوهم بتشريع مخالف لما شرع الله.
وهم ظالمون – ثانيا – اتجاه أنفسهم، لأنهم أنزلوها غير منزلها، وادّعوا ما ليس لها بحق.
وهم ظالمون – ثالثا – اتجاه الرعية والطبيعة، لأنهم ألزموها بشرائع تخالف ما فطرت عليه، أو خلقت له! …
إنهم ظالمون في كل اتجاه!!..
“وهذا الوصف الجديد لا يعني أنّها حالة أخرى غير التي سبق الوصف بها بالكفر، وإنما يعني إضافة صفة أخرى لمن لم يحكم – بما أنزل الله. فهو كافر باعتباره رافضا لألوهية الله – سبحانه – واختصاصه بالتشريع لعباده، وبادّعائه هو حق الألوهية بادّعائه حق التشريع للناس. وهو ظالم بحمل الناس على شريعة غير شريعة الله” .(2)
أما في شأن الفئة الثالثة، وهي مجموع المخاطبين بالكتاب والمؤمنين به في غير ضغط أو إكراه، فيقول سبحانه: “وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ، وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون” (المائدة: 46-47)
المخاطبون هنا هم الشعب الذي يجب أن تكون إرادته المشتركة معبّرة عن إرادة أفراده، ومن تمّ وجب عليه أن يتحرّك في اتجاه تحكيم دين الله والاحتكام إليه لتنفتح الحركة في تقدّمها على تحكيم شرع الله، تقديرا للفرق الحاسم الدقيق بين دين الله وبين شرع الله، هذا الفرق الذي لا يأخذه بعين الاعتبار كثير من العلماء والدعاة، فيكون شأنهم كشأن من يضع العربة قدّام الحصان!
إن الشعب إذا استبطن رفضا شعوريا أو أظهر رفضا سلوكيا حركيا، لا يعدّ فاسقا، ولكن إذا استبطن الرّضى القلبي، وأظهر الطاعة والانقياد لأولي الأمر الفاسقين – على أيّة درجة كانوا من الفسوق – ولم يتسلّح ولو “بنيّة مقاومة”، فإنّه فاسق، بل إنه نبع الفسوق، مصداقا لقوله تعالى: “فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُم ْكَانُوا قَوْماً فَاسِقِين” (الزخرف: 54). إنّهم ليسوا فاسقين بالنتيجة، بل هم فاسقون بالأساس، ولو لم يكونوا كذلك لما حققت فيهم سياسة الاستخفاف أهدافها بنجاح! فلولا قابليتهم للفسوق لما تحقق فيهم الفسوق، ولما حصلت منهم الطاعة والانقياد للفكرة الضالة والسياسة المضلة!!
إنّ هذه الفئات جميعها، وانطلاقا من مواقعها المختلفة، ذات التأثيرات المختلفة، تساهم في صناعة المجتمع الكافر؛ فهذا بالتشريع، وذاك بالإشراف على تطبيق التشريع، وثالث بتشجيعه والترغيب فيه والترويج له، ورابع بتقبّل التطبيق والاستسلام له،كما تستسلم الضفادع والفئران مخدرة للتجارب المخبرية!!..
أيّة صورة بائسة هذه ؟! … وأيّ تصوير مقرف هذا، “وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُون”(سبأ: 31-32-33).
وأخيرا ! … “يقف الإنسان أمام هذا كله، فيعجب كيف ساغ لمسلم – يدّعي الاسلام – أن يترك شريعة الله كلها بدعوى الملابسات والظروف! وكيف ساغ له أن يظلّ يدّعي الإسلام بعد هذا الترك الكلي لشريعة الله! وكيف لا يزال الناس يسمون أنفسهم “مسلمين” وقد خلعوا ربقة الاسلام من رقابهم، وهم يخلعون شريعة الله كلها ويرفضون الاقرار له بالألوهية، في صورة رفضهم الإقرار بشريعته، وبصلاحية هذه الشريعة في جميع الملابسات والظروف، وبضرورة تطبيقها كلّها في جميع الملابسات والظروف! (3)
وبعد أخيرا! …
يبدو أنّ الأمر جدّ وما هو بالهزل !…
إن التميع في الوضع الجاهلي ليس بسبيل نجاة.
إنّ التدسّس بهذا الدين ليس منهج دعوة؛ فدين الحرّية يحمله ويتحمّله الأحرار الممتلئون بالاستعلاء الإيماني، أما المتملّقون والمتحذلقون فما لهم في ذلك من نصيب!
وإن الانحياز إلى هذه الدكاكين السياسية والمذهبية – قديمها وحديثها، وبغضّ النظر عن كونها في الأصل أزمة، فصارت حلاّ!! – إن هذا الانحياز هو انحياز إلى السبل!، ولكن، أين يذهب الذاهبون؟! “أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُون” (الأعراف 169).
ألم يحذرنا ربّنا قائلا: “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.“ (الأنعام 153).
يبدو أنّ الأمر جدّ وما هو بالهزل، خاصة بعد قيام الحجّة بوجود البيان الواضح والدليل (الناصح، فويل للذي يشبّه على نفسه ليجعل الشبهات عاذرا لسقطاته، وويل للذي لا يأخذ من الدّين إلا ما يكون من الدنيا قريبا !. “وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين” (النحل: 89).
تبيانا … وهدى .. ورحمة .. وبشرى
فالذي في شكّ بيّن له الكتاب، والذي على ضلال هداه … والذي في أمن وإيمان وسلام وإسلام رحمه ووقاه ..
هذا هو الكتاب الذي يتهرب منه “المسلمون” به!! … مختلقين لذلك أعذارا ما أوهنها وأوهاها! .. وحججا ما أضلّها وأشقاها!!… ولو صدقوا لعلموا إنما استغرقهم عالم الأشياء فأغرقهم !.. “ .فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُون” (الأنعام: 44).
يا أنت! … يبدو أنّ الأمر جدّ وما هو بالهزل! ..
فاعتباراً لكل ما سبق، فإنّه إن لم يكن في مستطاعك كفرد مسلم أن تنتمي إلى سبيل الله انتماء حركيا إيجابيا – وإنك لتستطيع لو أردت ذلك – فعليك أن تكون سلبيا تماما تجاه أمر الجاهلية وشأنها العام، وذلك بعدم تزكيتة أو التزكي من خلاله، ولتكن العزلة الشعورية مأواك، والغربة وطنك أو منفاك، والهجرة في الله ونحو الله مسعاك، ولتكن مستيقنا، مطمئنا إلى يقينك “أن أمرنا صعب مستصعب، لا يحمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة، وأحلام رزينة”.(4)
“وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون” (الشعراء : 667).
.
هوامش:
1- محمد حسين فضل الله: مع الحكمة في خط الاسلام ، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط1، 1985، ، ص 54.
2-سيد قطب: في ظلال القرآن، المجلد 2، الجزء: 6، ص 900.
–3سيد قطب: في ظلال القرآن، المجلد 2، الجزء: 6، ص ص 901/902.
4-الإمام علي رضي الله عليه.