-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
في تتويج لمسار إصلاحي ضد تبييض الأموال استمر قرابة عامين:

رسميًّا… الجزائر خارج قائمة “غافي” الرمادية!

إيمان كيموش
  • 6042
  • 0
رسميًّا… الجزائر خارج قائمة “غافي” الرمادية!
ح.م

خطة العمل بإشراف الرئيس تبون تؤتي ثمارها بطيّ ملف المتابعة المعززة
وزير المالية ومحافظ بنك الجزائر يقودان الوفد إلى جلسة الحسم في باريس

من باريس، جاء الخبر الذي انتظرته الجزائر لأشهر طويلة، وأُسدل الستار رسميا على واحد من أهم الملفات المالية والاقتصادية التي شغلت السلطات العمومية خلال السنتين الأخيرتين، فبعد مسار إصلاحي مكثف شمل تعديلات تشريعية واسعة وإجراءات رقابية غير مسبوقة وتعبئة شاملة لمختلف مؤسسات الدولة، قررت مجموعة العمل المالي الدولية (غافي)، الجمعة، رفع الجزائر من القائمة الرمادية للدول الخاضعة للمتابعة المعززة، في اعتراف دولي صريح بفعالية الإصلاحات المنجزة وبنجاح البلاد في مواءمة منظومتها مع أعلى المعايير العالمية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
ويأتي هذا الإنجاز ليترجم الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة بمختلف مؤسساتها تحت إشراف أعلى السلطات على رأسهم رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، كما يؤكد صواب الرهانات التي وضعتها الجزائر لاستعادة ثقة الشركاء الدوليين وتعزيز جاذبية اقتصادها.
وكانت “الشروق” قد سبقت الإعلان الرسمي عن هذا القرار قبل أيام، عندما كشفت على لسان رئيس المجلس الوطني للغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات، محمد يحياوي، أن كل المؤشرات كانت توحي بقرب خروج الجزائر من القائمة الرمادية، استنادا إلى التقدم المحقق في تنفيذ خطة العمل وإلى النتائج الإيجابية التي خلصت إليها بعثة التقييم الدولية التي زارت الجزائر خلال شهر أفريل الماضي.

تفاصيل جلسة الجمعة لخروج الجزائر من قائمة “غافي”
وحسب معطيات تحصلت عليها “الشروق”، تم رسميا اعتماد قرار رفع الجزائر من قائمة الدول الخاضعة للمتابعة المعززة “القائمة الرمادية” بالإجماع من قبل أعضاء الجلسة العامة لمجموعة العمل المالي، المنعقدة يوم 19 جوان 2026 بمقر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (أو سي دي أو) في باريس.
وقد تميزت هذه الجلسة التاريخية بمشاركة الوفد الجزائري بقيادة وزير المالية عبد الكريم بو الزرد ومحافظ بنك الجزائر محمد لمين لبو، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها أعلى سلطات الدولة للقضايا المرتبطة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل.
وبهذه المناسبة، هنأ أعضاء الجلسة العامة الجزائر بحرارة على التقدم الملحوظ الذي أحرزته في تنفيذ خطة العمل الخاصة بها، كما أشادوا بشكل خاص بالجهود الاستثنائية التي بذلتها مختلف المؤسسات الوطنية المعنية، إلى جانب الالتزام الدائم والشخصي والحازم لأعلى سلطات الدولة، التي أشرفت بدقة على مسار الإصلاحات المنجزة وضمنت تعبئة نموذجية لجميع الفاعلين المعنيين.
وأكدت الوفود المشاركة أن النتائج التي حققتها الجزائر تمثل دليلا ملموسا على إرادتها السياسية، وفعالية الإصلاحات التي باشرتها، وتمسكها باحترام أعلى المعايير الدولية في مجال النزاهة المالية والشفافية الاقتصادية.
ويكرّس رفع الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي التقدم الكبير الذي أحرزته البلاد في تعزيز منظومتها الوطنية للوقاية من الجريمة المالية ومكافحتها، كما يعزز ثقة المجتمع الدولي في متانة النظام المالي الجزائري وقدرته على الصمود ومواجهة التحديات.
ولم يكن قرار رفع الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (غافي) وليد أشهر قليلة، بل جاء تتويجا لمسار إصلاحي مكثف انطلق مباشرة بعد إدراج البلاد ضمن قائمة المتابعة المعززة في أكتوبر 2024، وقد باشرت السلطات العمومية تنفيذ خطة عمل شاملة مست مختلف القطاعات المعنية بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، من خلال تحديث الإطار القانوني والتنظيمي وتعزيز التنسيق بين مختلف الهيئات الرقابية والأمنية والمالية، بما يتماشى مع المعايير الدولية المعتمدة من طرف مجموعة العمل المالي.
وفي هذا السياق، اعتمدت الجزائر عشرات النصوص القانونية والتنظيمية الجديدة التي أعادت صياغة منظومة الوقاية من الجرائم المالية، وشملت تعديلات على قوانين مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز صلاحيات الهيئات المكلفة بالرقابة والتحري المالي، فضلا عن فرض التزامات أكثر صرامة على المهن غير المالية المعرّضة للمخاطر. كما تم تعزيز دور خلية معالجة الاستعلام المالي وتطوير آليات تبادل المعلومات بين مختلف المؤسسات، بما يسمح برصد العمليات المشبوهة والتعامل معها بفعالية أكبر.

عشرات النصوص القانونية الجديدة دعمت الشفافية المالية
وعلى الصعيد الميداني، أطلقت السلطات حملات تفتيش ورقابة واسعة شملت مكاتب الموثقين ومحافظي الحسابات والخبراء المحاسبين ووكلاء العقارات وتجار المعادن الثمينة، وعلى رأسها الذهب.
وهدفت هذه العمليات إلى التأكد من التطبيق الفعلي لإجراءات اليقظة والتعرف على هوية الزبائن والمستفيدين الحقيقيين من المعاملات، وكذا التحقق من احترام التزامات التصريح بالشبهات وحفظ الوثائق والسجلات. وقد شكل هذا الجانب أحد أهم محاور تقييم خبراء مجموعة العمل المالي الذين ركزوا على فعالية التطبيق الميداني أكثر من الاكتفاء بوجود النصوص القانونية.
كما شهدت بداية سنة 2026 تطورا إيجابيا بارزا بعد إعلان مجموعة العمل المالي أن الجزائر أنجزت “بشكل جوهري” خطة العمل المتفق عليها، وتُوج هذا التقدم باستقبال بعثة تقييم دولية خلال شهر أفريل الماضي للتحقق من مدى تجسيد الإصلاحات على أرض الواقع، وفي هذا الإطار، برز الدور المحوري لمهنيي المحاسبة والتدقيق باعتبارهم من أكثر الفاعلين قدرة على اكتشاف التدفقات المالية غير العادية.
وقد عزز قرار 14 أفريل 2026 هذا الدور من خلال تحويل المبادئ العامة إلى التزامات مهنية دقيقة، مدعومة بأدلة تطبيقية وبرامج تكوين متخصصة لفائدة مئات محافظي الحسابات عبر الوطن.
ولم تقتصر الإصلاحات على الجانب التشريعي والرقابي فقط، بل شملت أيضا رقمنة عدد من الإجراءات المالية والتجارية، وتعزيز شفافية السجل التجاري وسجلات المستفيدين الفعليين للشركات، وتشديد الرقابة على حركة الأموال والمعاملات النقدية والتجارة الخارجية، وأسهمت هذه التدابير مجتمعة في إقناع خبراء مجموعة العمل المالي بفعالية المنظومة الجزائرية الجديدة، ما مهد الطريق لقرار رفع الجزائر من القائمة الرمادية، وهو إنجاز من شأنه تحسين صورة البلاد المالية دوليا، وتسهيل المعاملات البنكية والتجارية، وتعزيز ثقة المستثمرين والشركاء الأجانب في الاقتصاد الوطني.
كما أولت الجزائر أهمية خاصة للقطاعات المصنفة دوليا ضمن المهن غير المالية الأكثر عرضة لمخاطر تبييض الأموال، وعلى رأسها تجارة الذهب والمجوهرات والمعادن الثمينة، وفي هذا الإطار، تم إخضاع التجار لالتزامات جديدة تتعلق بالتعرف على هوية الزبائن وتوثيق المعاملات والاحتفاظ بالسجلات وإخطار السلطات المختصة عند رصد أي عمليات مشبوهة. كما تم تكثيف عمليات الرقابة والتفتيش على محلات بيع الذهب والمجوهرات للتحقق من مصادر التمويل وتتبع حركة الأموال المرتبطة بهذا النشاط، باعتباره من القطاعات التي تحظى باهتمام خاص لدى مجموعة العمل المالي بسبب قابليته لاستغلاله في إخفاء أو تحويل الأموال غير المشروعة.
وفي القطاع المالي والتجاري، عززت الجزائر تطبيق مبدأ “اعرف زبونك” داخل البنوك والمؤسسات المالية، حيث أصبحت عمليات فتح الحسابات وإجراء المعاملات الكبرى تخضع لإجراءات تدقيق أكثر صرامة للتحقق من هوية العملاء ومصادر أموالهم. كما تم التركيز على مفهوم “المستفيد الحقيقي” من الشركات والمعاملات التجارية، من خلال إلزام المؤسسات بالكشف عن الأشخاص الطبيعيين الذين يملكون أو يسيطرون فعليا على الشركات والهياكل القانونية، بما يمنع استعمال الشركات الوهمية أو الواجهات التجارية لإخفاء هوية أصحاب الأموال. وشكلت هذه التدابير أحد المحاور الأساسية التي ركز عليها خبراء مجموعة العمل المالي خلال تقييمهم للمنظومة الجزائرية، باعتبارها من أهم المعايير المعتمدة عالميا في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
وكانت “الشروق” قد سبقت الإعلان الرسمي عن هذا القرار بأيام، عندما كشف رئيس المجلس الوطني للغرفة الوطنية لمحافظي الحسابات، محمد يحياوي، في تصريح لـ”الشروق”، أن المؤشرات المتوفرة آنذاك كانت توحي بقرب رفع الجزائر من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي، بالنظر إلى حجم الإصلاحات المنجزة ومستوى التقدم المحقق في تنفيذ خطة العمل المتفق عليها مع الهيئة الدولية، وأكد يحياوي حينها أن الجزائر استوفت أغلب الالتزامات المطلوبة، وأن بعثة التقييم التي زارت البلاد خلال شهر أفريل وقفت على التطبيق الفعلي للإجراءات المتخذة ميدانيا، وهو ما مهد لقرار اليوم الذي يكرّس نجاح مسار إصلاحي واسع ويعيد تعزيز ثقة الشركاء الدوليين في المنظومة المالية الجزائرية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!