الرأي

رفضنا الجدّ .. واللعب أيضا؟

الذين ظنوا أن أزمة مقتل اللاعب الكاميروني إيفوسا، في قلب ملعب جزائري، من رمية حجر مناصر “شوفيني”، ظن نفسه صاحب الأمر والنهي من مدرجات الملعب، ستلِد هِمّة المناصرين، لأن يعودوا إلى رشدهم ويقتنعوا بأن كرة القدم مجرد لعبة، خاب ظنهم في الأسبوع الكروي الأخير، عندما عادت المشاحنات القوية بين أهل المدينة نفسها، وفي قلب العاصمة الجزائرية خلال مباراة شباب بلوزداد ومولودية العاصمة، التي تكاد تمثل صورة الرياضة الجزائرية، بسبب عراقة الفريقين الشعبيين، وفي عاصمة الثقافة العربية قسنطينة، التي جعلت مُخرج اللقاء المنقول على المباشر، لعدد من بلاد العرب، يلجأ لحذف الصوت وترك الصورة فقط، بعد أن عاث المناصرون سبا سوقيا طال اللاعبين والمدرب، وفي عاصمة الغرب التي عوقب ناديها باللعب من دون جمهور على خلفية “إكرامه البائس” لجيرانه من الشلف، ولعل أكثر الناس تفاؤلا بأن أمل إصلاح حال ملاعب الكرة أخلاقيا، قد يئس الآن، لأنه في الحياة، لا يوجد أقسى من مشاهدة إنسان يُقتل، وعندما لا تكون حياة إنسان بريء، درسا، فإن الموت وحده من سيحل هذه المشكلة الأخلاقية التي يعاني منها بعض الناس، ويفرضونها على البقية الصامتة، ويمارسونها في مكان صغير، ويزحفون بها إلى كل الأماكن، والذين حلموا وسعوا لأجل أن تتنقل العائلات إلى ملاعب الكرة، سيدركون بسهولة استحالة ذلك، لأن العائلات صارت تفرّ من الأسواق ومن الشوارع، فما بالك بملعب صار مصنعا لما رأت عين العالم وسمعت مما لم يخطر ببال أحد من مساوئ.

قد تكون الجزائر من البلدان النادرة التي لا يتوقف الناس فيها عن انتقاد الانهيار الأخلاقي الذي جرف البلاد إلى ما يشبه حياة الغابات، وقد تكون الوحيدة التي لا حديث للأئمة فيها سوى عن الأخلاق، وهي بالتأكيد الوحيدة التي يتحدث فيها بعض رؤساء الأحزاب عن برامج أخلاقية يريدون تطبيقها، بالرغم من أن كل بلاد العالم قد انتقلت إلى العلم والتكنولوجيا، وصارت الأخلاق التي تتركز على احترام الإنسان لغيره وعدم التعدي على حرية الآخرين من المسلّمات، التي تنتقل من كروموزوم إلى آخر كما تنتقل الروح وخلايا الجسم.

والذي يتجرأ على أن يصيح بالكلام السوقي من أجل سبّ حارس المرمى أو الحكم أو الفريق المنافس، أمام الملأ وجهرا، وفي وضح النهار، فإن نقله لهذه الموبقات إلى أماكن أخرى وحتى في بيته أمام مسمع أهله لن يكون أمرا مستعصيا عليه، ما دام قد وجد المباركة من الصامتين، وربما من المرحبين الذين يمنحوه بدل الصمت المطبق، ابتسامة رضا، وقد يجارونه ضمن فرقة لا تنفث سوى الكير من أفواهها، ومعروف لدى علماء النفس أن بداية الجريمة الجسدية هي دائما لسان مجرم، يقذف اللعاب قبل أن يقذف الرصاص، ومعروف لدى علماء الاجتماع أن الأفراد الذين يواجهون الأذى بالصمت، هم مشروع مجرمين، قد يكون أذاهم للآخرين أكبر من الأذى الذي قابلوه بالصمت، ومعروف لدى علماء الشريعة أن الصامت عن الحق.. هو شيطان أخرس؟  

مقالات ذات صلة