ركود إداري، تخبط المؤسسات والفشل يخلف نفسه
لم تختلف كثيرا سنة 2021 عن سابقتها، 2020، في ما يخص القطاع الثقافي. فقد تحدثنا، العام الماضي، عن وزيرة قادمة من عالم الجامعة والفلسفة، ورهاناتها في إصلاح قطاع مثقل بالإشكاليات والمشاكل. وقلنا إن الوزيرة السابقة لم تكن مسؤولة عما وجدته من تجاوزات وفضائح، كان عليها تحمل وزرها. وهانحن اليوم، نعيد تقريبا نفس الكلام، بوجود وزيرة جديدة، بمشاكل قديمة، ومتاعب إضافية، وفرص ضائعة في قطاع لا يزال رديفا لسوء التسيير.
صفعة المغرب في اليونسكو ومشاريع القطاع في الإنعاش
غادرت دكتورة الفلسفة، وجاءت دكتورة البيولوجيا، ولكن لم يعرف القطاع حتى الآن أي تغيير أو ما يوحي على الأقل بإمكانية حدوثه على المدى القريب. فقد غرقت الدكتورة شعلال في المشاكل والكوارث الإدارية التي خلفتها دكتورة الفلسفة. فقد قضت شعلال الأشهر الأولى لتعيينها وهي تجتمع بمديري قطاعها وإطاراتها، في محاولة لإيجاد رأس الخيط في كبة الصوف التي اختلطت وتشابكت خيوطها في هضبة العناصر.
في انتظار الإقلاع الاقتصادي لقطاع الثقافة
في بداية استوزارها، وهي القادمة من خارج القطاع، محصنة بانتماء حزبي وخلفية سياسية، تميزت الوافدة الجديدة إلى قصر العناصر ببعض التحفظ و”الرزانة ” في الظهور، حتى بدأ المحيط الثقافي يتساءل عن دوافع هذا العزوف والزهد في الظهور. وكانت تلك المدة التي قضتها شعلال في تصفية تركة بن دودة في أروقة الوزارة، حيث ظهرت الصراعات إلى العلن واشتعلت حرب المواقع، حتى إن بعض الإطارات خرجوا عن واجب التحفظ، ملمحين عبر مناشير فايسبوكية لما يحدث خلف مكاتبهم.
عرفت سنة 2021 انعقاد أول منتدى للاقتصاد الثقافي، قبل مغادرة بن دودة القطاع، بحيث اعتبر الحدث قاطرة لمحاولة الإقلاع بقطاع الثقافة نحو الاستثمار الاقتصادي. وجمع المنتدى عشرات من النشطاء والمهنيين. وعرف عقد ورشات رفعت لاحقا تقاريرها التي بقيت حتى الآن حبرا على ورق، كما بقيت بعض مخرجات لجان الإصلاح التي تركتها بن دودة في الأدراج، حتى لو صدرت في مراسيم وزارية، كما حدث مع مرسوم تسيير المسارح.
في البداية، نظرت الساحة الثقافية بعين العقل والحكمة لقلة ظهور الوزيرة، وربطت الأمر بالميل إلى الرزانة، خاصة أن الساحة كانت من قبل قد أصابتها التخمة من كثرة ظهور بن دودة، سواء عبر مواقع التواصل أم خلال الخرجات الميدانية. ولكن صمت شعلال “الظرفي”، انتهى بظهورها في أول زيارة ميدانية، اختارت أن تكون نحو وجهات سابقة لسابقتها، مثل الأغواط وتيميون.. وتساءل المحيط الثقافي يومها: لماذا تعمدت الوزيرة إعادة زيارة مناطق لم تمض على استفادتها من زيارات وزارية إلا أشهر معدودة. وإذا استثنينا تدشين المشاريع التي سبق ودشنت من قبل، أو الإشراف على الأنشطة المتوقفة أساسا، فماذا راحت شعلال تفعل هناك، اللهم إلا إذا كانت تلك الزيارات الغرض منها مطاردة طيف “ضرتها”، التي طلقها المنصب مبكرا.
شعلال، لم تترك أثرا ولم تحدث نقاشا في زياراتها، بسبب أفكار ومشاريع تم طرحها، لكنها أحدثت الجدل بطريقة حضورها، حيث بدأت الوزيرة موسمها “بقعدة” في زاوية، وختمتها بزيارة في زاوية، في مشهد أعاد إلى الأذهان بعض الممارسات من “الجزائر القديمة”، حيث كانت زيارة الأضرحة والزوايا ثقافة سياسية قائمة بذاتها.
في جرد سريع لحصيلة قطاع شعلال على المستوى الإداري، يستقبل القطاع الثقافي العام الجديد بمؤسسات أغلبها على حافة الإفلاس، ومن دون مسيرين فعليين، فاستثناء منصب الوزيرة والأمين العام ومدير الديوان أغلب مديري القطاع لا يزالون في خانة “بالنيابة”، ومكلف بالتسيير، ففي القطاع، أكثر من سبعين منصبا شاغرا.. فأول رهان يواجه شعلال خلال السنة الجديدة، في حال بقائها في منصبها، هو ضبط الإدارة المركزية وإيجاد إطارات قادرين على إعادة التوازن لهذه المؤسسات. وقد تكون شعلال قد أدركت أهمية هذا الرهان، حيث استنجدت بمدير الاتصال السابق في الوزارة، الذي عاد إلى وزارة الثقافة مديرا للديوان، قادما من وزارة التضامن، حيث كان يشغل ذات المنصب. كما أعادت شعلال الثقة في بعض من كانوا ضحية تهميش في إدارة سابقتها. كما أشهرت شعلال سيف الحجاج في وجه مديري الثقافة، في أول اجتماع من نوعه، جمعها بالمسؤولين المحليين بقطاع الثقافة، أين أكدت أنها لن تتسامح مع قضايا الفساد والتجاوزات والتعسف في استغلال المنصب. مطالبة إياهم بتحريك الملفات على المستوى المحلي، وخاصة تلك التي تتعلق بمتابعة إنجاز المشاريع في آجالها والدفاع عن التراث الثقافي وحمايته.
عودة حذرة والمتهم كورونا
على صعيد القطاعات، ظلت كورونا مشجبا جاهزا لتعليق فشل ومحدودية هذه القطاعات، حيث بقيت الجزائر الاستثناء في العالم في إرجاء جل النشاطات والتظاهرات إلى العام المقبل. ففي حين عادت المهرجانات ومعارض الكتب إلى القاهرة وتونس والشارقة وأبوظبي والعراق وغيرها، بقيت الجزائر وحدها الاستثناء.
وفي الوقت الذي أرجع فيه مسؤولو الثقافة عندنا هذا الأمر إلى كرونا، يعزوه البعض الآخر إلى الفشل في إدارة الهزات التي عانى منها القطاع، خاصة في ظل تأخر الحسم في مسيري المهرجانات والتظاهرات. فبعضهم لم يستلم مهامه منذ 2019 وتأخر صدور دفتر الشروط الجديد الذي سبق وأعلنت عنه وزارة الثقافة العام الماضي. وباستثناء معرض الكتاب الذي أعلن عن موعده، تبقى كل التظاهرات الأخرى في حكم المجهول.
وبخصوص معرض الكتاب الذي سبق وأعلن عن تنظيمه شهر ديسمبر ونوفمبر قبل أن تطيح الوزيرة بالمحافظ ومدير “إيناق”، ميلود حكيم، وتعيد “ايقرب” إلى بيت المحافظة، تقرر عقده شهر مارس، غير أن البعض رأى في اختيار هذا التاريخ غير موفق لكونه يتزامن مع شهر رمضان وقرب نهاية الموسم الدراسي وانصراف الخزينة العمومية إلى عطلة “الجرد”.. كلها عوامل تقلل من الإقبال الجماهيري على المعرض. وإذا أضفنا لجملة هذه المشاكل أسعار كراء “الأجنحة” ستة آلاف دينار للمتر المربع “خارج كل الرسوم” التي تفوق قدرات الناشرين في قطاع أرهقته كورونا، فإن أهم موعد للكتاب مهدد بالفشل أو الإرجاء، خاصة مع عودة إحصائيات كورونا إلى الارتفاع وتلويح الوزارة الأولى بإعادة فرض الإغلاق على بعض النشاطات، إذا اقتضت الضرورة ذلك.
ورغم الوضع الصعب الذي يعاني منه قطاع النشر، لكن المكتبة الجزائرية لم تتوقع استقبال الأعمال الجديدة في انتظار فرص أمثل لتسويقها. وكان الحدث فيها من دون منازع صدور مذكرات المجاهد الراحل لخضر بن طوبال، بعد انتظار دام أزيد من ثلاثين عاما.
وفي قطاع النشر والكتاب أيضا، صدرت بعض المراسيم التنظيمية لقانون الكتاب، أهمها تلك المتعلقة بتنظيم المعارض الجهوية والمحلية، التي عاد البث فيها والإشراف عليها للمركز الوطني للكتاب.
على صعيد آخر، تلقى قطاع التراث في الجزائر مع نهاية العام ضربة موجعة، بإقدام المغرب على تصنيف تقليد “التبريدة” أو الفنتازيات الفروسية باسمها في اليونسكو، قافزة على الكثير من الحقائق التاريخية في هذا الجانب. وفي غفلة من وزارة الثقافة، التي لا تزال تبحث عن مديرين مركزيين لحفظ التراث والترميم، وفي ظل غرق مؤسسات ذات علاقة مع التراث والترميم في المشاكل الداخلية والفضائح الناجمة عن تسيير ملفات سابقة، أغلبها على علاقة بتظاهرات سابقة.
ورغم تأكيدات بيانات مجلس الوزراء في عديد المرات على أهمية القطاع في البعد الاقتصادي الوطني وضرورة الاستثمار فيه لتسويق الجزائر كوجهة، لكن في مقابل ذلك، لا يزال مفهوم الوزارة والقائمين عليها في التراث محصورا في معارض “الحلويات والمرطبات”، وصناعة المربى المنزلي، بعيدا عن التحديات التي تواجه الجزائر في محيط إقليمي وجهوي يتطلب منها شحذ واستغلال مخزونها الثقافي التراثي، وإشهاره في فرض تواجدها، لأن الصراعات تدار ثقافيا أيضا.
في قطاع السينما، لا تزال المقاربة الحكومية غير مستوعبة من طرف وزارة الثقافة، أو بالأحرى غير واضحة. ففي سابقة هي الأولى من نوعها، نجح مستشار الرئيس للشؤون الثقافية، المخرج أحمد راشدي، في إعادة بعث “الكاييك”، المركز الجزائري “للسينما”، وأصبح تابعا للوزارة الأولى، وليس لوزارة الثقافة. وإذا كان راشدي قد أقدم على هذه الخطوة متحمسا ومأخوذا بسنوات عز السينما الجزائرية، لكن الزمن غير الزمن والوقت تغير والرهانات أيضا تغيرت، حيث يصعب الحديث عن نهضة سينمائية دون خطة واضحة ودون استراتيجية واضحة ودون مدارس تكوين، وتم إطلاق المركز بعد مناقشات ماراطونية، بين مستشار الرئيس ومستشاري وزيرة الثقافة، انتهت بتحييد الوزارة من هذا المشروع.
في انتظار الأمير عبد القادر بابيشا والعربي بن مهيدي
وتزامنا مع إعادة إحياء المركز الجزائري للسينما، تم إطلاق مشروع فيلم الأمير بمؤسسة قائمة بذاتها، وتابعة هي الأخرى للوزارة الأولى. وهذا ما رآه البعض غير معقول، لأننا إذا أخذنا بهذا المنطق، فكلما فكرنا في فيلم لشخصية معينة، نقوم بإطلاق مؤسسة خاصة بذلك. ولكن ومن جهة أخرى، يعتبر إطلاق مؤسسة خاصة بإنتاج فيلم الأمير جاء برغبة حماية هذا المشروع الذي تنازعته المصالح والعصب، في فترة سابقة، وانتهى بتبديد 200 مليار دون تصوير لقطة واحدة.
من جهة أخرى، خلف قرار إطلاق مركز سينمائي تابع للوزارة الأولى ارتباكا لدى المؤسسات السينمائية التابعة للوزارة، حيث أصبحت هذه المؤسسات أمام مصير مجهول، في ظل إلحاق أغلب صلاحياتها بالمركز الجديد ووجود بعضها في وضع مالي وإداري صعب رهن دورها.
وفي الوقت الذي يراهن فيه المسؤول الأول في البلاد على السينما في قيادة قاطرة التغيير الثقافي والتوجه الاقتصادي الجديد في البلاد، لم تسجل السينما الجزائرية هذه السنة أي حضور، عدا إعادة ترشيح هليوبوليس لجعفر قاسم للجنة اختيار أعمال الأوسكار، وعرضه في مهرجان القاهرة، أين عاد من دون أي تتويج. ولا يزال أيضا فيلم العربي بن مهيدي ينتظر قرار رفع الحظر وتسوية الخلاف بين منتجه ومخرجه بشير درايس وبين وزارة المجاهدين، كما ينتظر أيضا عرض بابيشا، رغم إعلان الوزارة رفع الحظر عنه، والإعلان عدة مرات عن برمجته، دون أن يتحقق ذلك.
وفي الوقت الذي غابت فيه المهرجانات السينمائية هذه السنة، نجح الهواة في تنظيم بعض التظاهرات في شكل أيام في عنابة والبويرة وبلعباس وغيرها.. وهذا، في الوقت الذي ينتظر فيه محترفو القطاع تجسيد المشاريع التي تم الإعلان عنها، بخصوص مشاريع عديدة في القطاع، على غرار مشروع المدينة السينمائية بولاية تيميمون، وافتتاح مركبين سينمائيين، بكل من وهران والعاصمة، وإنشاء مدرسة للتكوين السينمائي بقسنطينة، وأكاديمية فنون سينمائية بتيزي وزو، ومنصة رقمية لتوزيع الإنتاج السينمائي.
سجل قطاع السينما أيضا عودة محتشمة بعرض عدد من الأعمال، بعد إعادة فتح القاعات ورفع حظر الإغلاق وأغلبها أفلام قديمة سبق إنتاجها ووضعها في الأدراج.
يواجه قطاع السينما في العام الجديد تحديات كثيرة، ومقدمتها توفر الأطر القانونية والمؤسساتية وخاصة الإمكانيات المالية لإنتاج الأفلام، خاصة وأن صندوق دعم السينما قد أغلق تماما، بحلول نهاية شهر ديسمبر الحالي، ما يستوجب وضع خطة واضحة، للنهوض بالقطاع، خاصة في ظل الخلط المؤسساتي وتداخل الصلاحيات وعدم وضوح المهام بين المؤسسات التابعة للوزارة والمركز الجديد الذي ينتظر تعيين مدير له، على غرار تعيين مدير لمؤسسة إنتاج فيلم الأمير عبد القادر، الذي أبدى بشأنه الألمان اهتماما لعقد شراكة إنتاجية مع الجزائر.
هذا، في انتظار تطبيق قرار إعادة قاعات السينما، التي كانت تحت تسيير البلديات إلى “العصمة الإدارية” لوزارة الثقافة.
وبعيدا عن الصعوبات الإدارية التي يعاني منها قطاع الثقافة، فقد سجل الموسم محاولات حذرة للعودة إلى الواجهة، بعد سنتين من الإغلاق، بسبب فيروس كورونا، حيث نظم عدد من العروض السينمائية والتظاهرات عبر الولايات، إضافة إلى العروض المسرحية، حيث قدم شوقي بوزيد العرض الأول لمسرحية رمادة 19، المقتبسة عن رواية بنفس العنوان لواسيني الأعرج، حاول من خلالها مقاربة الآثار النفسية والاجتماعية للأزمة الصحية على الإنسان، كما سجل المسرح أيضا تتويج مسرحية “جي بي أس” لمحمد شرشال، بجائزة أفضل إخراج وأفضل دور رجالي في قرطاج السينمائي.