رمضانُ بدايةٌ جديدة وليس محطّة عابرة
نِياتٌ كثيرة، يَحسُن بكلّ عبد مؤمن صائم أن يتحرّاها ويُراجعها في بداية رمضان، لعلّ من أهمّها وأولاها، الغاية من التّوبة والإقبال على الله في هذا الشّهر الفضيل؛ فكثير هم أولئك الذين يتوبون في رمضان ويُصلح الواحد منهم حاله مع الصّلاة ويجدّد عهده مع قراءة القرآن ويترك كثيرا من المخالفات التي كان يقترفها قبل رمضان، لكنّه ربّما يُقبل على هذا التّغيير احتراما لرمضان! ومراعاة للجوّ العامّ! فيتحوّل رمضان بالنّسبة إليه إلى محطّة عابرة وربّما إلى عقد قصير الأمد مع بعض الطّاعات، وما أن يرحل رمضان حتى يُنهي العقد ويغادر المحطّة!
إنّه الحرمان، أن يدرك العبد المسلم في هذه الدّنيا ثلاثين أو أربعين رمضانًا ورُبّما أكثر، وهذه حاله وهذا ديدنه، لا يخطر على باله أن يصحّح هذه النية ويعدّل هذه النّظرة.. التّوبة في أصلها ليست مرتبطة برمضان، إنّما هي متاحة في كلّ وقت وكلّ آن، بل هي مفروضة بعد كلّ ذنب يقترفه العبد، يقول الله تعالى: ((وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون)).. وكثرة الحديث عن التّوبة في رمضان، ليس لأنّها مرتبطة به، إنّما لأنّ رمضان أنسب وقت للتّوبة وإصلاح الحال وتنظيم الحياة؛ يجد فيه العبد المؤمن من المحفّزات والمرغّبات ما لا يجد في غيره، فهو أنسب فرصة وليس الفرصة الوحيدة، وليس يليق أبدا بعبد مسلم أن يُضيّعها، كما لا يليق به أن يجعلها قاصرة على ثلاثين يوما تنقضي سريعا، ليعود بعدها إلى سابق عهده.
فيا أخي الصّائم.. من هذه اللّحظة، صحّح نيتك ونظرتك؛ رمضانُ ليس محطّة عابرة، إنّما هو نقطة بداية وخطّ انطلاق، لتنظيم حياتك وأوقاتك، وإصلاح الفوضى العارمة التي تعيشها في لياليك وأيامك وتخشى أن تموت وتتركها وراءك، فلا يصلحها بالنيابة عنك أحد.. أنت أدرى النّاس بأخطائك وعيوبك ونقائص نفسك ((بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَه))، أحصها واكتبها وفكّر وقدّر كيف تتخلّص منها قبل رحيل رمضان.. عجّل ولا تؤجّل، فأيام رمضان معدودة، وتمضي سريعا، وقد لا تُتاح لك فرصة أخرى أنسب من هذه الفرصة.. الصّيام جُنّة، ونفسك في أضعف أحوالها وقرينك كذلك.. أبواب الجنّة فتّحت ونسماتها هبّت، وروحك تضطرب لتخرج من سجنها وتحلّق في رياض الجنّة الأولى.. كُن من السّعداء برمضان، وجرّب حلاوة الأنس بطاعة الحنّان المنّان، وإياك والإصرار على الغفلة والحرمان.