رمضان محطّة لتجديد الولاء للهدف الأسمى
رمضان محطّة مهمّة يراجع فيها المسلم مساره ومسيرته وسيرته، ويعدّل ما طرأ عليها من اعوجاج وحَيدة، ليظلّ سائرا إلى أهمّ وجهة له في هذه الحياة ومتّجها إلى أسمى غاية له في هذا الوجود؛ الفوز برضا الله والظّفر بدار كرامته؛ فكما أنّ الصّلواتِ الخمسَ محطّات يومية، يتطهّر فيها المؤمن ممّا علق في قلبه ونفسه من أدران تعكّر جوانحه وتعطّل جوارحه عن السّير إلى هدفه، ويعيد فيها شحن قلبه وتهذيب نفسه؛ فكذلك رمضان محطّة سنوية مهمّة لتجديد الولاء للهدف الأسمى.
عندما يقول الحقّ سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)) (البقرة: 183)، فهذا تقرير واضح بأنّ الغاية من الصيام ليست تعذيب الجسد بالجوع والعطش، إنّما هي غاية تتعلّق بهدف سامٍ هو تحصيل التّقوى التي تجعل العبد وفِيا لمساره المؤدّي إلى النهاية الواضحة؛ فكلّ القلوب تضطرب وتميد وتحيد عن الطّريق السويّ، وتغيب عنها الوجهة قليلا أو كثيرا، وتضطرب الحواس باضطرابها، باستثناء القلب التقي، فإنّه لا يركن إلى بهارج الدّنيا المتلألئة على جانبي الطّريق، بل ينظر إليها نظرة المشغول بما هو أجمل وأعظم وأنفع وأبقى، لسان حاله ينطق دائما بقول الله تعالى: ((قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا * لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا)) (الفرقان: 15- 16).
في أوّل ليلة من شهر رمضان تفتّح أبواب الجنان، في إشارة واضحة إلى أنّ أعظم ما يعين العبد المؤمن على تحصيل التقوى، والثّبات على طريقه، تذكّر الغاية والنّهاية التي تهون لأجلها كلّ التضحيات؛ فماذا يضرّ العبدَ المؤمن لو جاع قليلا وحُرم بعض اللّذائذ في هذه الدّنيا، ما دامت النّهاية التي يتبعها الخلود هي جنّة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين؟ ماذا يضرّ العبد إن ابتلي في هذه الدّنيا بنقص من الأموال والأنفس والثّمرات، إذا كانت النّهاية التي لا محيد عنها ولا زوال هي جنّة ينعم فيها بلُقيا الأحبّة، وبالنّظر إلى وجه خالقه سبحانه؟ وفي الحديث أنّه “يُؤتى بأشدّ النّاس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيُصبغ صبغةً في الجنّة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرّ بك شدّةٌ قط؟ فيقول: لا، والله ما مرّ بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط”، والعبد المؤمن الصّائم يجد مشهدا مصغّرا لهذه النّهاية السّعيدة التي تنسي ما قبلها، في أيام رمضان، عند ارتفاع أذان المغرب في ساعة الإفطار، حين يضع تمرات في فمه، فيجد مع حلاوتها حلاوة تلك السّاعات التي صبر فيها على الجوع والعطش.. بلقيمات قليلة في لحظات قصيرة ينسى الصّائم ما كابد من جوع وعطش ووهن، كيف به يوم القيامة عندما يضع أوّل قدم له في الجنّة؟
صحيح أنّ المسلم ليس مطلوبا منه أن يتقصّد المشاقّ والابتلاءات في هذه الدّنيا، بل على العكس من ذلك مطلوب منه أن يجتنبها ويسعى لسعادة قلبه وراحة بدنه، ومطلوب منه أن يجعل الدّنيا في يده، لكنّ الدّنيا مهما حصّل منها الإنسان تظلّ دنيًا مشوبة بالأكدار والمنغّصات، ولا يجد العبد المؤمن ملاذا من أكدارها غير لزوم طريق التّقوى واستحضار الغاية والنّهاية. سئل الإمام أحمد رحمه الله: متى الرّاحة، فقال: “عند أوّل قدم توضع في الجنّة”.