الرأي
التمارين العسكرية بالذخيرة الحية كأداة للجاهزية والردع:

رهانات الجيش الجزائري في مواجهة تحديات الساحل وإفريقيا

أ.د بوحنية قوي
  • 79
  • 0

تابعت كمواطن جزائري بفخر كبير المناورات والتدريبات العسكرية بالذخيرة الحية، التي قام بها جيشنا الباسل، خلال شهر ماي، التي أخذت تسمية – فخر 2026 وعهد 2026. والحقيقة أن العالم بوسائل إعلامه تابعها وبث تقارير وومضات عنها… وكان اللافت في هذه التدريبات العسكرية الاحترافية العالية التي أظهرها جنودنا المغاوير من القوات الجوية والدفاع الجوي وحراس الحدود ووحدات الإسناد اللوجيستي، وتحت إشراف مباشر من قيادة الأركان، الفريق الأول السعيد شنقريحة قائد أركان الجيش الشعبي الوطني… فماذا تعني هذه التدريبات بالذخيرة الحية؟ وهل هي عمل روتيني ضمن المؤسسة العسكرية؟ وكيف يمكن قراءتها جيوسياسيا؟

الإطار المفاهيمي، التدريبات بالذخيرة الحية ضمن المفاهيم الجيوسياسية والمبادئ السيادية

-تفكيك الإشكال المفاهيمي

ينبغي، بدايةً، تأطير التدريبات بالذخيرة الحية ضمن المنظومة المفاهيمية المرتبطة بالجاهزية العسكرية، وما يتصل بها من مفاهيم كالعرض العسكري، والاستعراض العسكري، والتمارين التكتيكية، وغيرها من المبادئ المرتبطة ببناء الكفاءة العملياتية للقوات المسلحة. وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين العرض العسكري  (Military Parade)، والاستعراض العسكري (Military Show of Force / Military Display)، والتمارين العسكرية بالذخيرة الحية  (Live-Fire Exercises)، من خلال اختلاف الوظيفة والغاية ومستوى الواقعية العملياتية. فالعرض العسكري، أو Military Parade، يُعد نشاطًا بروتوكوليًا احتفاليًا منظمًا، يهدف إلى إبراز الانضباط المؤسسي والرمزية الوطنية، ويُصنَّف في الأدبيات العسكرية ضمن ما يسميه بعض الباحثين، مثل Edward Luttwak، بـ“العرض الاحتفالي للقوة” (ceremonial display of force)، أي إنه يعكس صورة الدولة واستقرارها أكثر مما يعكس قدرتها القتالية المباشرة. أما الاستعراض العسكري (Military Show of Force)، فهو أكثر اتساعًا من حيث الدلالة، ويُستخدم كأداة ردع رمزية في العلاقات الدولية، عبر إظهار القدرات العسكرية والأسلحة والمناورات بهدف إيصال رسائل استراتيجية إلى الداخل والخارج، وهو ما ينسجم مع طرح Thomas Schelling  حول “الردع عبر الإظهار” (Deterrence by demonstration)، أي التأثير في حسابات الخصم دون الانخراط في مواجهة مسلحة مباشرة. في المقابل، تعتبر التمارين العسكرية بالذخيرة الحية (Live-Fire Exercises) المستوى الأكثر واقعية وصرامة، لكونها تعتمد على استخدام الذخيرة الحقيقية لمحاكاة ظروف القتال العملياتي الفعلي، وتُعرَّف باعتبارها تدريبًا ميدانيًا يختبر الجاهزية القتالية (Combat Readiness)  ضمن بيئات شبيهة بالواقع العملياتي، وهو ما يؤكد عليه John Keegan  حين يشير إلى أن قيمة الجيوش تُقاس بأدائها “تحت ضغط النيران الحقيقية” (under real fire conditions).  وبذلك، يتضح أن العرض العسكري يحمل طابعًا رمزيًا، والاستعراض العسكري يؤدي وظيفة ردعية، بينما تمثل التمارين بالذخيرة الحية الاختبار العملي الحقيقي للقدرات القتالية.

تدريبات احترافية بإشراف ومشاركة من قيادة الأركان

تُعدّ التمارين العسكرية بالذخيرة الحية التي تُنفَّذ تحت إشراف قيادة أركان الجيش الوطني الشعبي، بقيادة الفريق أول السعيد شنقريحة، من أبرز أدوات تقييم الجاهزية العملياتية للقوات المسلحة، لأنها لا تقتصر على التدريب النظري أو المحاكاة، بل تعتمد على تنفيذ سيناريوهات قتالية عملياتية باستخدام الذخيرة الحقيقية الحية في ظروف ميدانية قريبة من الحرب الفعلية. وتندرج هذه التمارين ضمن مقاربة استراتيجية قائمة على مبدأ الجاهزية الدائمة، بما يضمن قدرة القوات البرية والجوية والدفاع الجوي والدعم اللوجستي على العمل ضمن منظومة قتالية متكاملة. كما تُجرى غالبًا في ميادين واسعة، خاصة في النواحي العسكرية الجنوبية، لما توفره من فضاءات ملائمة لمحاكاة البيئات الصحراوية والظروف المناخية القاسية. والمتاخمة للعمق الإفريقي غربا وشرقا وجنوبا.

وتتميز هذه التمارين باعتمادها على سيناريوهات معقدة ومركبة تشمل تحرك وحدات المشاة المدعومة بالدروع، واستخدام المدفعية الثقيلة والطيران القتالي وأنظمة الدفاع الجوي، إلى جانب اختبارات القيادة والسيطرة والاتصال الميداني. والغاية الأساسية منها ليست فقط قياس القوة النارية، بل اختبار مستوى التنسيق بين مختلف الأسلحة وقدرة الوحدات على تنفيذ عمليات مشتركة في ظروف واقعية. لذلك، تمثل هذه المناورات مستوى متقدمًا من التدريب العسكري، يجمع بين الاختبار العملياتي والتقييم التكتيكي والرسائل الاستراتيجية.

من جهة ثانية تعتبر التمارين بالذخيرة الحية عن العرض العسكري والاستعراض العسكري من حيث الوظيفة والهدف. فالعرض العسكري يرتبط بالبعد البروتوكولي وإبراز الانضباط المؤسسي للدولة، بينما يُستخدم الاستعراض العسكري لإظهار القوة وتوجيه رسائل ردعية في السياق الاستراتيجي. أما التمارين بالذخيرة الحية فتمثل المستوى الأكثر واقعية والمرتبط بشكل مفصلي بأرض الميدان أو الساحة المشابهة، لأنها تقوم على محاكاة القتال الفعلي واختبار كفاءة الجاهزية تحت ضغط ميداني مباشر. وفي هذا السياق، يرى عدد من المنظرين الاستراتيجيين، مثل Edward Luttwak وThomas Schelling، أن الردع الحقيقي لا يُقاس بما يُعرض في الاحتفالات العسكرية، بل بما تُثبته الجيوش في ميادين التدريب الواقعي. وهذه هي الرسالة الني تقدمها مؤسسة الجيش الوطني باحترافية عالية ومهنية منقطعة النظير.

وخلال السنوات الأخيرة، خاصة بين 2024 و2026، نفذ الجيش الوطني الشعبي سلسلة من التمارين الكبرى بالذخيرة الحية، عكست تصاعدًا واضحًا في مستوى الجاهزية العملياتية. ففي شهر ماي 2024 نُفذ تمرين شهاب 2024 بالناحية العسكرية الثانية، تحت إشراف قيادة الأركان، وتضمن رمايات ليلية وسيناريوهات قتال مركبة. أما سنة 2025، فقد شهدت تنفيذ تمرين الحصن المنيع 2025 يوم 22 ماي بالناحية العسكرية الثالثة، جنوبي تندوف، بمشاركة وحدات من مختلف القوات والأسلحة. كما برز تمرين صمود 2025 ضمن التمارين المشتركة متعددة الأسلحة، إلى جانب مناورات ميدانية أخرى ركزت على العمل في البيئات الصحراوية والحدودية المعقدة.

وفي سنة 2026، جاء تمرين عهد 2026– الذي أجري في 21 ماي 2026 بالناحية العسكرية الخامسة وفخر 2026 بالناحية العسكرية الثالثة في 13 ماي 2026 ليؤكد هذا التوجه التصاعدي في الجاهزية القتالية، حيث شاركت وحدات من المشاة الميكانيكية مدعومة بالدروع والمدفعية والطيران ضمن سيناريو قتالي متكامل بالذخيرة الحية، مع تركيز خاص على سرعة التنسيق الميداني وفعالية القيادة العملياتية. كما لا تقتصر هذه التمارين على المجال الصحراوي فقط، بل تشمل أيضًا النواحي البحرية والساحلية، من خلال تدريبات خاصة بحماية السواحل والموانئ وتأمين المجال البحري، إضافة إلى مناورات مشتركة بين القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي.

وإذا ما تم توسيع النظرة إلى العقد الأخير، يمكن رصد سلسلة من المناورات الكبرى، مثل التحدي و**“العزم”** و**“البرق”**، إلى جانب تدريبات تكتيكية مشتركة في مختلف النواحي العسكرية، ركزت على الرمايات الحية وتنسيق المشاة الآلية والدبابات في ظروف ميدانية متنوعة. وتُظهر هذه السلسلة المتواصلة من التمارين أن العقيدة التدريبية للجيش الوطني الشعبي تتجه نحو نموذج الجاهزية الدائمة، القائم على التمارين المشتركة عالية التعقيد ورفع مستوى التكامل بين القوات البرية والجوية والبحرية، بما يعكس رؤية شاملة للدفاع عن المجالين الترابي والبحري في بيئة إقليمية متغيرة.

التدريبات بالذخيرة الحية وفق المقاربة الجيوسياسية قراءة متقاطعة

أولا من منظور جيوسياسي، تمثل التمارين العسكرية بالذخيرة الحية أداة متعددة الأبعاد تتجاوز البعد التقني والتدريبي لتتحول إلى وسيلة من وسائل إنتاج الردع الاستراتيجي (Strategic Deterrence Production)  وإعادة تشكيل إدراك البيئة الإقليمية المحيطة بالدولة. فهي أولًا تعكس قدرة الدولة على إظهار الجاهزية العملياتية (Operational Readiness)  بشكل فعلي، ما يرفع منسوب الكلفة النفسية والعسكرية لأي طرف محتمل يفكر في تهديد أمنها أو حدودها.

ثانيًا، تعتبر هذه التمارين كوسيلة لـتثبيت السيادة الفعلية (Effective Sovereignty Assertion)، خاصة في المناطق الحدودية الحساسة، حيث يُنظر إلى النشاط العسكري المنتظم كرسالة بأن المجال الترابي مراقب ومؤمّن ومندمج في عقيدة دفاعية نشطة. وهذا مهم جيوسياسيًا في بيئات إقليمية تتسم بتداخل التهديدات العابرة للحدود، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة في فضاء الساحل والصحراء.

ثالثًا، تسهم هذه المناورات ا في تعزيز موقع الدولة ضمن معادلة توازن القوى الإقليمي (Regional Balance of Power)، إذ إن إظهار القدرة على تنفيذ عمليات مشتركة معقدة بين البر والجو والبحر، بما في ذلك استخدام أنظمة حديثة للقيادة والسيطرة (C4ISR)، يعكس مستوى متقدمًا من التحديث العسكري يرفع من وزن الدولة في حسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين.

رابعًا، تتضمن هذه التمارين حمولات ذات بعد رسائلي غير مباشر في إطار ما يسميه بعض منظري العلاقات الدولية بـالإشارة الاستراتيجية (Strategic Signaling)، أي توجيه رسائل قوة محسوبة دون الدخول في صدام مباشر، وهو ما يجعلها أداة من أدوات الدبلوماسية القسرية الناعمة.

خامسا تحمل التمارين العسكرية بالذخيرة الحية رسائل خارجية متعددة ذات طابع جيوسياسي واستراتيجي، أهمها رسالة الردع (Deterrence Message)، التي مفادها أن الجيش يمتلك جاهزية قتالية فعلية وقدرة على استخدام القوة عند الضرورة، ما يرفع كلفة أي تفكير في تهديد الأمن الوطني أو اختراق الحدود.

وبهذا الصدد تمثل الرهانات المستقبلية للمؤسسة العسكرية الجزائرية مسارًا استراتيجيًا مركبًا يتأثر بتطور البيئة الأمنية الإقليمية والدولية، وبالتحولات التكنولوجية في فنون الحرب الحديثة، ويمكن تلخيصها في عشر فقرات تخصصية مترابطة:

  1. ترسيخ الجاهزية العملياتية الدائمة (Permanent Operational Readiness):
    يظل الرهان المركزي هو الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية المستمرة، بما يسمح بالانتشار السريع والاستجابة الفورية لمختلف السيناريوهات الأمنية، سواء في الحدود أو في العمق الترابي.
  2. هندسة وبناء عقيدة العمليات المشتركة (Joint & Combined Arms Doctrine):
    الانتقال نحو دمج أكثر تكاملاً بين القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، بما يعزز القدرة على تنفيذ عمليات مركبة متعددة الأبعاد في بيئة قتالية معقدة.
  3. الاستعداد الاحترافي لمواجهة التهديدات غير المتماثلة (Asymmetric Warfare):
    تزايد أخطار الإرهاب، والجريمة المنظمة، وحروب الوكالة، يفرض تطوير أساليب مرنة تعتمد على الاستخبارات الدقيقة والحرب الاستباقي وقد تبنت الدولة برنامجا خاصا بالسيادة السيبرانية الرقمية بهذا الصدد.
  4. بناء خطة متكاملة في مجال تأمين الحدود الشاسعة والمعقدة:
    يمثل ضبط الحدود الطويلة مع دول الساحل وليبيا والتوترات الإقليمية رهانا استراتيجيا دائمًا، في ظل نشاط شبكات التهريب والتنظيمات المسلحة والهجرة غير النظامية. مع التحلي باليقظة من أنواع الجريمة وأشكال التهريب التي تظهر الوقائع أن حدودنا الغربية هي مصدرها في أغلب الأحيان.
  5. الاحترفاية في المجال التكنولوجي العسكري (Military Modernization):
    وذلك بتبني اتجاه عملياتي يشمل إدماج الطائرات دون طيار (UAVs)، والحرب الإلكترونية  (Electronic Warfare)، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة القيادة والسيطرة (C4ISR).
  6. ضمان السيادة الرقمية والأمن السيبراني (Cyber Defense Capability):
    تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة صراع جديدة يجعل تطوير القدرات السيبرانية الدفاعية والهجومية ضرورة استراتيجية لحماية المعلومات والبنى التحتية الحيوية.
  7. استكمال الرهان الصناعة العسكرية الوطنية (Defense Industry Localization):
    الرهان يتجه نحو تقليص التبعية الخارجية عبر توطين تصنيع العتاد والذخيرة وقطع الغيار، وتعزيز الاستقلال اللوجستي والتقني.
  8. بعث رسائل للداخل والخارج في مجال تعزيز الدور الإقليمي والدبلوماسية العسكرية:
    الانخراط في مهام حفظ السلام والتعاون الأمني الإفريقي بشكل مدروس يعزز مكانة الجزائر كفاعل استراتيجي في محيطها الإقليمي.

وفي هذا الصدد، يمكن استحضار مقولة المنظّر العسكري كارل فون كلاوزفيتز (Clausewitz): الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، وهو ما يعكس أن هذه الرهانات ليست تقنية فقط، بل هي امتداد مباشر للخيارات السياسية والاستراتيجية للدولة في بيئة دولية شديدة التعقيد، تجعل من القوة العسكرية عنصر توازن وردع واستقرار في آن واحد.

خلاصة

تمثل الرهانات المستقبلية للمؤسسة العسكرية الجزائرية مسارًا استراتيجيًا متشابكًا مع التحولات العميقة التي تشهدها البيئة الأمنية الإقليمية، لاسيما في إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، التي أضحت من أكثر الفضاءات الجيوسياسية هشاشة واضطرابًا على المستوى الدولي، بفعل تنامي التهديدات العابرة للحدود، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، واتساع رهانات التنافس الجيوسياسي الدولي. وفي هذا السياق، تعكس التدريبات العسكرية بالذخيرة الحية التي ينفذها الجيش الوطني الشعبي مستوىً متقدمًا من الجاهزية العملياتية، ورسالة واضحة تؤكد أن المؤسسة العسكرية الجزائرية تستند إلى عقيدة راسخة قائمة على فخر الانتماء الوطني، ووضوح الرسالة الاستراتيجية، والثبات في حماية السيادة الوطنية ووحدة التراب الوطني. كما تمثل هذه المناورات رسالة ردع حازمة تجاه كل التهديدات المحتملة، وتؤكد أن الجزائر، بلد المليون ونصف المليون شهيد، تمتلك الإرادة والقدرة على الدفاع عن أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.

مقالات ذات صلة