“رهينة” فرنسية في ضيافة “جند الخليفة”
ليس لك كمستهلك للأخبار إلا أن تصدق الرواية السخيفة التي تداولها الإعلام الفرنسي لحادث اختطاف رعية فرنسي بالجزائر، ولستَ مضطرا لطرح واحد من الأسئلة الخمسة التي يبنى عليها هرم الخبر المقلوب، ومنها تحديدا السؤالان الأهم: كيف؟ ولماذا؟
كيف يُصدق أن يُختطف هيرفي غوردال بعد يومين من وصوله إلى الجزائر؟ وكيف خالف تحذيرات سلطات بلاده من السفر إلى حوالي ثلاثين دولة من بينها الجزائر؟ وكيف وصل إلى المنطقة التي اختطف فيها؟ إلا إذا كان دليله الذي كان في انتظاره بالمطار حسب تصريحات والدته هو “واسطة الخير” بين طرفين شريكين في صناعة هذه المسرحية الإستخباراتية السخيفة، فيما ذكرت وزارة الداخلية الجزائرية أنه اختطف بعد توقيف سيارة كانت تقلّه مع بعض أصدقائه الجزائريين بالقرب من قرية “آيت وابان” وأخلت سبيل رفاقه الجزائريين؟ وأخيرا كيف تعرّفت السلطات الفرنسية في زمن قياسي على صحة الشريط، وأنه صادرٌ عن تنظيم “جند الخليفة” الذي تشكّل إعلاميا منذ أقل من أسبوعين؟
الأسئلة موجهة للسلطات الفرنسية كما للسلطات الجزائرية، وقد كان بوسع السلطات الجزائرية أن تتوقع “تركيب” هكذا مسرحيات بعد تجربة تيڤنتورين، التي اقترنت وقتها بالتدخل العسكري الفرنسي في مالي، كما كان اختطاف الرعيتين الأمريكيتين في سورية والعراق مدخلا لتسويق الحرب الكاذبة على “داعش“، ما يقودنا إلى طرح أسئلة “لماذا“؟
لماذا يُختطف فرنسيٌ الآن بعد أكثر من عقد عن آخر استهداف لرعية فرنسي في الجزائر؟ ولماذا تحتاج فرنسا إلى هذا الحدث في هذا التوقيت؟ ولماذا في الجزائر، وليس في تونس، أو ليبيا، أو مصر التي تعاني من انفلات أمني يسهل على ملاحق “داعش” تنفيذ هكذا عملية اختطاف؟
نعلم يقينا أن الرئيس الفرنسي أولاند، الذي تحوّل إلى دون كيشوط سخيف، يضرب خبط عشواء في جميع الاتجاهات بحثا عن متنفس لأزمات الحكم الاشتراكي المتهالك، أنه لا يريد أن يفوّت فرصة لمحاكاة سيده أوباما، وقد استنسخ بغباوة دور “الجرو” الطيّع الذي لعبه من قبل رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير مع بوش الابن.
ولنا أن نسأل عن التوقيت، وكيف أن الحادث يخدم أولاند على أكثر من محور؟ فالسيد أولاند لم يكن سعيدا باستعادة الجزائر لدور الوسيط في أزمة مالي، وهو بلا ريب غير سعيد بما أبدته الأطراف المتنازعة في ليبيا من استعداد للقبول بوساطة جزائرية قد تعطل وتمنع ما كان يُرتب من تدخل عسكري أجنبي غربي وعربي، كما يخدمه الحادث من جهة التغطية والتعتيم على نتائج التحقيق الجاري في حادث إسقاط طائرة الخطوط الجوية الجزائرية فوق مالي.
ولأن السلطات الفرنسية تعلم استحالة تحرير الرهينة بدفع الفدية، التي حرّمتها الجزائر على نفسها قبل تحريمها على الغير، فإن من تصور ونفذ هذه المسرحية السخيفة يكون إنما أراد أن يمنح هذه المفرزة الوليدة لـ“جند الخلافة” منبرا إعلاميا يسهِّل عليها عملية التجنيد، كما سمحت مسرحية “ذبح” الرهينتين الأمريكيتين بإخراج بعبع “الدولة الإسلامية” من القمقم، وتسويقه كقوة عظمى تبيح التدخل الغربي، واستباحته لسيادة الدول كما حصل أمس الأول بتنفيذ أولى ضربات أمريكية لـ“داعش” بالأراضي السورية.