رياح جنوبية شرقية… إلى شمالية غربية
رياح التغيير التي هبت وتهب دوما في مشرق الأرض، وبالذات في الشرق الأوسط، التي قد بدأت منذ نحو خمس سنوات، بدأت تنقل غبارها وعواصفها الساخنة إلى الشمال الغربي: إلى أوروبا وأمريكا تحديدا.
تغيُّرُ الأحوال من طبيعة الحال، وارتباط الشرق بالغرب والشمال بالجنوب هو شيء حاصل تاريخيا، باعتباره بنية مركبة مترابطة التأثير والتأثر. الجنوب، عانى لقرون من الاحتلال والاستعمار والاستغلال والاستقواء وتفرد الغرب الأوروبي الكبير، بالقوة المادية، منذ بداية انهيار الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، وانتقال مركز القوة العلمية المادية إلى العواصم التي كانت تتشكل وقتئذ من رحم الخلافات القديمة، وبقايا آثار القرون الوسطى.
ما يحدث الآن في أوروبا، بدءا من فرنسا، هو تحصيل حاصل لتغير قد بدأ ولن ينتهي وسيستمر وسيجر في مجراه كثيرا من المناطق في أوروبا وأمريكا. هذا التغير لا يستثني أحدا، فالعالم كله بات مترابطا ومتقاربا ومتشابها إلى حد ما، بُنية وتركيبا واقتصادا وعلاقات دولية وشعوبا وثقافات. عالم الثُّلُث الأول من القرن الـ21، هو عالمٌ حامل لفيروس واحد: الصراع المادي، الصراع من أجل البقاء. هذه البنية، هي بنية هشة ولو بدت قوية، فالبيت الذي تسكن جدرانَه الرطوبة، ما يلبث أن يتشقق ثم ينهار.
التحولات التي تحدث في أمريكا وأوروبا، تُنذر بأن العالم مقبلٌ على تحولات كبيرة قبل منتصف القرن الـ21: أمريكا تكاد تبدأ في التقوقع والانكماش على الذات بعد عقود من الهيمنة على العالم وفرض نفسها على أنها دركي العالم، وبالذات، حراس منطقة الشرق الأوسط وآبار النفط. الزخم الذي جاء به ترمب في تغيير مجريات الأحداث والمواقع وإيقاع حركات التحول في العالم، نابعٌ من رحم المجتمع الأمريكي: المجتمع الأمريكي، لم يعد هو نفسه كما كان منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. الأجيال الجديدة تفكر بطريقة جديدة، وقد تحررت من قيود الإعلام الكبير الموجَّه، المهيمن، الذي تسيطر عليه عائلاتٌ محددة ذات انتماء يهودي صهيوني. اليمين في أمريكا، وإن كان كله يمينا من دون يسار، صار يدعو إلى “عظمة أمريكا من جديد”، التي لا تعني أكثر من “عظَمة داخلية”، تبعدها عن التدخل في تسيير شؤون العالم على حساب مواردها وشعبها في الداخل. إنها سياسة العودة إلى الانكفاء على الذات والاعتماد على الاستثمارات الداخلية عوض تهريب رؤوس الأموال نحو الشرق وبالذات الصين والهند. هذا الانكفاء هو ما جعلها تبحث عن الابتعاد عن أوروبا، سياسيا وعسكريا. أوروبا، فهمت هذا التحول، لكن متأخرا: فهمته بعدما فرضت أمريكا العقوبات على نفط روسيا باتجاه أوروبا، لاسيما بعد تفجير السيل الشمالي باتجاه ألمانيا. فرنسا كانت ستعرف أولى الخسارات في تحركات احتجاجية بسبب الغلاء وتهديد السياسة الحالية للقدرة الشرائية للفرنسيين، وليس بسبب الهجرة، كما يحاول ترمب تمريره من أجل الفوز بالانتخابات النصفية للكونغرس، فهي لازمتُه الأيديولوجية المعلنة والمبطنة تجاه الأجانب من المهاجرين، عبر الحدود الجنوبية والشمالية، ولكن أيضا عبر نظام التأشيرات. حالة فزع لمطاردة الساحرات وتسميم للأجواء التي كانت سببا في تحول أمريكا إلى و”جهة للحرية العالمية وبلد كل الفرص الضائعة في البلدان”.
اليوم، كل يحاول أن يدافع عن مرعاه، لكن، حتى أوروبا الموحدة، لن تبقى موحدة: سينشب فيها لهيب الهوان والضعف والنزاع بين الأعضاء والانفصال، ونزاعات داخلية، بحثا عن حياة أفضل طالما حلم بها الأوروبيون ومن هاجر إليهم.
الهجرة نحو الجنوب؟ قد تكون حالة بديلة، هربا من متغيرات الأحوال المعيشية قبل بداية الهزال.