الرأي

زادٌ لا غنى عنه في طريق الرّجوع إلى الله

سلطان بركاني
  • 709
  • 0

العبد منذ أن يولد ويخرج إلى الدّنيا، يبدأ سيره في طريق رجوعه إلى الله، يقول –سبحانه-: ((إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُون))، والعباد جميعا من الله وإليه راجعون، كأنّهم ما خرجوا إلى هذه الدّنيا إلا لمهمّة سريعة، ثمّ يرجعون إلى الله ليحاسبهم عمّا فعلوه في تلك المهمّة. يخرجون إلى الدّنيا ليقضوا أعمارا معدودة، في امتحان محدّد، ثمّ تكون العودة إلى الله ليوفّوا أعمالهم.

في طريق الرجوع إلى الله، يحتاج العبد إلى زاد يبلّغه رضوان ربه سبحانه؛ يحتاج إلى ما يعينه ليرجع إلى الله بروح وقلب أبيضين نقيين كما أعطاهما الله. لا يستغني العبد في هذه الطريق عن زاد هو محبّة الله والخوف منه ورجاؤه، ولا غنى لعبد عن واحد من هذه المطالب الثلاثة؛ يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في مدارج السالكين: ” القلب في سيره إلى الله -عز وجل- بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سَلِمَ الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، ومتى قُطِعَ الرَّأْسُ مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناحُ الخوف على جناح الرجاء، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناحُ الرجاء على جناح الخوف”.

إنّنا ونحن في طريقنا إلى الله نخطئ كثيرا حينما نظنّ بأنّنا يمكن أن نَغلب أنفسنا ونستقيم على طاعة الله ونجد حلاوة الإيمان، ونبلغ رضوان الله تعالى، بمحبّة الله وحدهـا أو بالخوف وحده أو بالرّجاء وحده؛ فلا بدّ لنا من الجمع بين هذه الثلاثة حتى تستقيم طريقنا إلى الله.. وأهمّ الثلاثة: محبّة الله تعالى، وأعظم مطلب في هذه الحياة: أن يمتلئ قلب العبد بمحبّة مولاه سبحانه، ويأنس بذكره، وتكون ساعات طاعة الله ألذّ الساعات وأحبّها إلى قلب العبد، يقول سبحانه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)).

أعظم هدف ينبغي للعبد أن يسعى للوصول إليه: أن يمتلئ قلبه بمحبّة مولاه، ولا يرحل عن الدّنيا إلا ومولاه -سبحانه وتعالى- أحبّ إليه من نفسه وماله وأهله وولده.. ووالله لو استولت محبّة الله –تعالى- على قلب العبد لوجد جنّة القلب والروح في دنياه، يقول الإمام ابن القيم –رحمه الله-: “من عرف الله، أحبّه ولا بد، ومن أحبّه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبدا… ومن كان الله معه فما له والحزن، وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له فعلى أي شيء يحزن، ومن فاته الله فبأي شيء يفرح”، ويقول أيضا: “الراغبون ثلاثة أقسام: راغب في الله، وراغب فيما عند الله، وراغب عن الله، فالمحب راغب فيه، والعامل راغب فيما عنده، والراضي بالدنيا من الآخرة راغب عنه. ومن كانت رغبته في الله كفاه الله كل مهم، وتولاه في جميع أموره، ودفع عنه مالا يستطيع دفعه عن نفسه”. ويقول الإمام الغزالي -رحمه الله-: “اعلَم أنّ أسعد الخلق حالًا في الآخرة أقواهم حبًّا لله تعالى، فإنّ الآخرة معناها القدوم على الله تعالى، وإدراك سعادة لقائه”. ويقول العلامة السعدي -رحمه الله-: “لا شيء ألذ للقلوب ولا أحلى من محبة خالقها”.

لو سكنت محبّة الله –تعالى- في قلوبنا واستوطنتها، لكانت الطّاعات أحبّ إلى قلوبنا من كلّ متع الدّنيا، وتحوّلت إلى ملاذ لنا نفرّ إليه من هموم الدنيا، ولما استثقلنا صلاة نقف فيها بين يدي مولانا نخاطبه ونناجيه وندعوه ونرجوه.. لو عظمت محبّة الله في قلوبنا، لذقنا ممّا ذاق منه الأوّلون ووجدنا شيئا مما وجدوا. يقول عدي بن حاتم –رضـي الله عنه-: “ما دخل وقت صلاة حتى أشتاق إليها”، ويقول سيّد التابعين سعيد بن المسيب –رحمه الله-: “منذ أربعين سنةً ما سمِعت الأذان إلا وأنا في المسجد، وما رأيتُ ظهر مصلٍّ”، ويقول: “وما خرجت من بيتي فقابلني الناس خارجين من الصلاة”، ويقول محمد بن سماعة: “مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى، إلا يومًا واحدًا ماتت فيه أمي، ففاتني فيه صلاة واحدة في جماعة، فقمت فصليت خمسًا وعشرين صلاة أريد بذلك التضعيف”.

لو عظمت محبّة الله في قلوبنا، لكان كلامه –سبحانه- أحبّ إلى قلوبنا من كلّ كلام؛ نتلوه بالليل والنّهار ولا نملّ من تلاوته وسماعه.. لو عظمت محبّة الله في قلوبنا ما هجرنا كلامه لأجل لغو مواقع التواصل وكلام البشر في الفايسبوك والانستغرام وغيرهما.. لو عظمت محبّة الله في قلوبنا لكان كلام الله أنس أرواحنا وبهجة نفوسنا ودواء قلوبنا. يقول الإمام ابن باديس –رحمه الله-: “والله الذي لا إله إلاّ هو، ما رأيت- وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب- أعظم إلانة للقلب، واستدراراً للدمع، وإحضارا للخشية، وأبعث على التوبة من تلاوة القرآن وسماع القرآن”.

لو عظمت محبّة الله في قلوبنا، لعظمت في نفوسنا حدوده ومحارمه، ولكان أصعب شيء على قلوبنا أن نعصي مولانا وهو ينظر إلينا ويرانا. حتى لو أذنب الواحد منّا بضعف نفس وفي لحظة غفلة، فإنّه سرعان ما يشعر بفداحة ما صنع في حقّ مولاه العظيم سبحانه، ولو كانت المعصية صغيرة من الصّغائر.

حينما ضعفت محبّة الله في قلوبنا، صرنا نستثقل الوقوف بين يديه، نقف في الشوارع والأسواق من دون تعب ولا كلل، ولكنّنا نستثقل 10 دقائق بين يدي مولانا.. حينما ضعفت محبّة الله في قلوبنا صرنا نستثقل كلام الله، ولا نصبر مع المصحف سوى دقائق معدودة، بينما نصبر مع الهواتف ساعات طويلة.. حينما ضعفت محبّة الله في قلوبنا أصبحت نفوسنا تنقبض من سماع كلمة “حرام”.. حينما ضعفت محبّة الله في قلوبنا صرنا نكره لقاء الله، وصار الموت بالنسبة إلينا كابوسا مرعبا.. حينما ضعفت محبّة الله في قلوبنا صرنا نستثقل كلّ ما يذكّرنا بلقاء الله، نظنّ أنّ يوم لقائنا بربّنا سيكون يوما عسيرا.

لأجل كلّ ما سبق؛ ينبغي لنا أن نسقي في قلوبنا بذرة محبّة الله.. هذه البذرة التي يمتنّ الله بها على كلّ عبد يؤمن به، لكنّها ربّما تكون ضعيفة تحتاج إلى سقيا لتنمو وتنبت وتزهر وتثمر.. والعبد إذا وجد من نفسه أنّه يستثقل الصلاة وقراءة القرآن، وأنّ الهاتف أحبّ إلى نفسه من المصحف، والمقهى أحبّ من المسجد، ورأى من نفسه أنّها تنقبض حينما يتذكّر الموت، ويؤجّل التوبة وإصلاح حاله وتنظيم حياته يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر وعاما بعد عام، وإذا كان يرى نفسه سريعة إلى معصية الله بطيئة إلى طاعة الله، فليعلم أنّ محبّة الله في قلبه قد ضعفت، وأنّ عليه أن يدرك نفسه قبل أن يفجأه الموت فيلقى الله وهو من المفلسين الذين أُعطوا رأس المال فأهملوه. وعليه أن يبحث عن الأسباب التي تقوّي محبّة الله في قلبه، فيسارع إليها كما يسارع إلى الدّواء عندما يصاب بمرض يخشى أن يهلكه.

من أعظم أسباب زيادة محبّة الله في القلوب: أن يعرف العبد ربّه، بأسمائه وصفاته وآلائه الظّاهرة في خلقه.. عندما يتأمّل العبد نفسه ويتأمّل الكون من حوله، ويتأمّل تدبير الله لشؤون خلقه، يدرك أنّ ربّه –سبحانه- ربّ عظيم جبّار قهّار قويّ عزيز، وهو مع ذلك رحيم لطيف خبير، يَقدر سبحانه على أن يجعل عالي الكون سافله، لكنّه يعامل خلقه بلطفه ورحمته. فربّما يقترف العبد في حقّ مولاه ذنبا يستحقّ لأجله أن تخسف به الأرض، ولكنّ الله الرحيم يلطف به ويمهله لعله يرجع ويتوب.

من أعظم أسباب زيادة محبّة الله في القلوب أن يتأمّل العبد كيف أنّ الله يتودّد إليه بنعمه وهو –سبحانه- الغنيّ عنه، بينما العبد يقابل المنعم –سبحانه- بالغفلة والتقصير والمعاصي والذّنوب، مع شديد حاجته إليه! خير الله إلى العبد نازل، وشرّ العبد إلى مولاه صاعد! يبتليه ليخرج الدنيا من قلبه، والعبد مصرّ على أن تبقى الدّنيا متربّعة على سويداء قلبه. يدعوه في كلّ ليلة ليغفر ذنبه ويعطيه ويرفعه، ولكنّ العبد يصرّ على الغفلة والإعراض. يرزقه ويستره ويعافيه، حتى وإن ضيّق عليه رزقه وابتلاه، فإنّه –سبحانه- يريد له أن يعود إليه ولا يرضى بالفانية عن الباقية.

ومن أعظم أسباب زيادة محبّة الله في القلوب: أن يدمن العبد تلاوة كلام الله بتدبّر وتأمّل، مستشعرا أنّه يتلو كلام ربّه ومولاه، وأنّه –سبحانه- يخاطبه به. يقول ابن رجب: “ومما يستجلب المحبة: تلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، لا سيما الآيات المتضمنة للأسماء والصفات والأفعال الباهرات، ومحبة ذلك يستوجب به العبد محبة الله، ومحبة الله له فتتحقق ((يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه))”. وكلما ازداد حب المرء لربه، ازداد حبًا لكتابه ولكثرة قراءته. يقول أبو سعيد الخراز: “من أحب الله أحب كلام الله، ولم يشبع من تلاوته”.

ومن الأسباب التي تزيد محبّة الله في القلب: كثرة ذكره سبحانه: يقول الله –تعالى-: ((الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ))، وهل تطمئنّ القلوب إلا إذا أنست بحبّ مولاها؟ يقول الربيع بن أنس –رحمه الله: “علامة حب الله: كثرة ذكره؛ فإنك لا تحب شيئا إلا أكثرت من ذكره”.

مقالات ذات صلة