الجزائر
رفقاء طفولته بقرية آيت يحيى يروون لـ"الشروق" بداية مسيرته النضالية

زاوية العائلة. .من هنا مرّ ثائر القرن

الشروق أونلاين
  • 3672
  • 0
ح. م

في قرية آيت يحيى بأعالي عين الحمام بتيزي وزو ولد ذات 26 أوت 1926 الثائر الحسين آيت أحمد، وهو بكر والديه وكبير إخوته الستة، نشأ في عائلة مرابطة ميسورة الحال، وهو حفيد الولي الصالح الشيخ محند أولحسين، وسليل لالة فاطمة نسومر، ابن الطريقة الرحمانية، عاش طفولته في القرية وانتقل إلى عين الحمام وبعدها إلى تيزي وزو والعاصمة من أجل الدراسة.

الشروق اليومي” ولتسليط الضوء على نشأة أحد كبار القادة الثوريين والساسة المعارضين بالجزائر، وبالاستناد لشهادات عائلته وجيرانه من بني جيله، انتقلنا إلى مسقط رأسه للوقوف على القرية، المنزل، المسجد، المدرسة والمحيط الذي ولد من رحمه هذا الرجل الذي دخل التاريخ من أبوابه الواسعة.

 

زاوية جده الولي الصالح محطته الأولى لحفظ القرآن

هو الابن البكر لمحند أويحيى أيت أحمد وبلقداش مياسة، نشأ في عائلة متدينة، ميسورة الحال ومنزلها مفتوح لعامة الناس، عن طريق زاوية جده الولي الصالح الشيخ محند أولحسين، التي كانت مزار الكثير من السكان في المناسبات الدينية، بدأ في تلقّي تعاليم الدين وحفظ القرآن في سن مبكرة في زاوية جده، رفقة أقرانه من أبناء القرية، تشبع بالقيم الدينية وتعاليم الإسلام السمحاء، ليتلقى أهم زاد غذى مساره منذ النشأة،  وهي القيم التي اصطدم بعكسها وغيابها في أولى خطواته نحو المدرسة.

 

التمييز بين التلاميذ الجزائريين والفرنسيين ولّد روحه الوطنية

كان التمييز والعنصرية اللذان مارسهما الفرنسيون بين التلاميذ الفرنسيين والجزائريين، يحزان في نفسه ويغذّيان الروح الوطنية بداخله، بدأ في سنواته الأولى بمدرسة تاقة إحدى القرى المجاورة لقريته يمارس نشاطه النضالي، حيث كان يحدّث أقرانه من التلاميذ الجزائريين القادمين من قرى عين الحمام، عن التمييز الممارس ضدهم من قبل غرباء وضرورة رفضهم للأمر لأنهم في وطنهم، أفكار كبيرة وكلام خطير صادر عن طفل لا يتعدى العاشرة من عمره، أشعرت الفرنسيين بالخطر ووضعوه تحت المراقبة فأذاقوه السجن وهو تلميذ في الابتدائي، حيث مرّ يوما أمام مدير المدرسة ورفض أن يلقي عليه التحية، فحبسه هذا الأخير داخل زنزانة ليلة كاملة، وهي المحطة التي أججت روح القتال والنضال في نفسه، وفتحت أمامه آفاقا أخرى للسعي وراء تحرير الوطن من العدو الفرنسي.

من مدرسة تاقة حوله والده إلى عين الحمام لاستكمال مساره التعليمي لدى أخواله في اث املال، وهناك التقى بأطفال آخرين وفرنسيين آخرين كذلك، هناك تعمقت أفكاره وحدّد مساره نحو عالم السياسة والنضال الذي رسم له مخططا منذ الصغر.

 

زاوية العائلة والمدرسة الفرنسية…معالم شاهدة على تنشئة ثائر القرن

لم تبق زاوية الشيخ محند أولحسين كما كانت عليه في السنوات التي خطا نحوها الراحل حسين آيت أحمد خطواته الأولى وتعلم فيها القرآن ليختم بها كتاب الله في الـ16 بعدما التحق بها في عامه الرابع، حيث تم توسيعها وكذا تجديد جزء كبير من المنزل الذي ترعرع فيه، رغم احتفاظه الكبير بالبنية التحتية والنمط القديم الذي بني عليه قبل أزيد من قرن من الزمن.

 إلا أن المدرسة الفرنسية المتواجدة بقرية تاقة في بلدية آيت يحيى مسقط رأسه، والتي تلقى فيها دروسه الأولى، لا تزال حجراتها قائمة لحد اليوم وفي حالة متقدمة من التدهور والاهتراء، زواياها المظلمة وأسقفها المنهارة، تروي لزائرها ذكريات ثائر مرّ من هنا يوما، وتلقى بين جدرانها دروسه الأولى وخط عليها أحرفه الأولى أيضا، أحرف جعلت منه أحد أكبر الزعماء والقادة الثوريين، والمناضلين الروحيين للديمقراطية والحرية، لتقول إن تلميذها يستحق اليوم لقب ثائر القرن، والأب الروحي للنضال السياسي والسلمي في العالم وليس الجزائر فقط، وإنه بلغة خصومه واجههم ورفع قضية وطنه في المحافل الدولية بزاد جعله من القادة الثوريين المثقفين الأكثر دفاعا عن الحرية والديمقراطية.

 

يجب أن أتعلم لأواجه حكّام فرنسا بلغتهم

كرهه للمستعمر الفرنسي ورغبته في استعادة الوطن منه، لم يدفعاه للهروب منه أو مقاطعته، حيث أخذ منهم أكثر شيء يمكنه الانتفاع به مستقبلا وهو العلم، فكان من ألمع وأنجب التلاميذ الذين أنجبتهم المدرسة الفرنسية حينها، كان يقول لأقرانه وأفراد عائلته، لأواجه حكام هذه الدولة الاستعمارية يجب أن أتعلم لغتهم، واصل تعليمه في ثانوية تيزي وزو وبعدها في بن عكنون، ليتحصل على شهادة البكالوريا ضمن الفرنسيين سنة 1946.

كان كثير الخلاف مع والده، هذا الأخير نبهه مرارا من تعاطيه للسياسة خوفا عليه من أفكاره وتوجهه التحرري، حيث حدثنا ابن عمه قائلا: “تشاجر يوما مع والده، حين طلب منه أن يتخلى عن السياسة لخطورة ما يقوم به، فسكت برهة من الزمن ورد عليه، إن واصلت الضغط عليّ سأغادر المنزل ولن أعود إليه، أنا واع بما أقوم به ولن أتخلى عليه.

كما كان كثير الشجار معه بسبب منصب القايد الذي تولاه الوالد، فكان يطالبه باستمرار بالتخلي عنه ويتساءل عما يميزه عن غيره حتى يتحكم بهم أو يتآمر عليهم، فكانت العلاقة بينهما فاترة، بعكس تلك التي تربطه بعمه “محند جعفر أيت أحمد” الذي سانده كثيرا في نضاله وكان موضع أسراره.

 

ورث المعارضة من جده الولي الصالح وروح القتال من فاطمة نسومر

الجانب المغيب من حياة وتاريخ الراحل “الحسين أيت أحمد” والذي يجهله الكثير، هو أنه الحفيد المباشر للولي الصالح “الشيخ محند أولحسين” وكذا سليل الثائرة “لالة فاطمة نسومر” حيث تنقلت عائلة أيت أحمد من قرية ورجة في افرحونان التي تنحدر منها واستقرت بقرية أيت أحمد في أيت يحيى، كان محند أولحسين رجلا ذاع صيته حتى قبل أن يبني زاويته القائمة لغاية اليوم، وقد اتهمه الشيخ الحداد الذي كان مثله من أعيان الطريقة الرحمانية، بالخيانة حين أبدى رفضه ومعارضته للمقاومة الشعبية التي قادها الشيخ الحداد بالمنطقة، ما دفعه لبيع أملاكه ومغادرة الأرض التي سمته بالخائن، إلا أنه وبعد  فشل المقاومة وسقوط مئات الضحايا، تأكدت لقائديها مخاوف الولي “الشيخ محند أولحسين” الذي رفض منذ البداية أن تدخل القبائل الثائرة قتالا فاشلا منذ البداية مع المستعمر الفرنسي، مؤكدا على عدم استعداد القرى لقتال المستعمر ورفض المخاطرة بأرواح أهاليها الذين لم يكن بحوزتهم سوى رفوش وفؤوس يواجهون بها عساكر وجنود مدججين بأسلحة نارية، فدخول معارك خاسرة تزهق فيها الأرواح حزت في نفسه، وهو الموقف الذي تطلب الاعتذار له بعد الفشل وإعادة أملاكه بدفع ثمنها لمن اشتروها. وهنا كان الفاصل والتحضير لمرحلة حاسمة شعر بقدومها وميلاد صناعها.

 

الشيخ محند أولحسين بنى زاويته للتمويه عن القلعة الثورية من تحتها

لما بدأ الشيخ محند أولحسين في بناء منزله والزاوية، تساءل سكان القرية عن البنيان الذي واظب على إقامته، فكان يرد بجملة لم يفهما الكثير حينها “غرفة فوق غرفة وباب تحت باب، وسيأتي وقت يحتاج فيه جيله لهذا المكان”، واتضح بعدها أن البناء كان قلعة ثورية تحت منزله العائلي وزاويته، القلعة التي بناها سنوات 1880، حضرها لحفيده الذي ولد بعد 28سنة من رحيله سنة 1901، وكانت أولى المخابئ السرية للثوار والأسلحة المستقدمة من تونس، حيث بنيت غرف كاملة بأبواب وأنفاق بمخارج نحو الوادي المحاذي تحت المنزل الذي سكنه وأبناؤه وأحفاده وكذا الزاوية التي كانت مسجدا وكتابا للأطفال، ومبيتا لقاصديها من الزوار، البناية التي تحتفظ إلى غاية يومنا هذا بهذه الأنفاق والمخابئ التي لم تعد سرية، اعتمدت فيها هندسة معمارية ومخطط يعجز الكثير من العارفين بالمجال أمام عبقرية هذا الولي الصالح، حيث أنجزت لها مداخل ومخارج تصل بين الطابق العلوي والأرضي عبر أنفاق وفتحات وصلها بمعالف الماشية والبقر، وكان بذلك قد حضر قبل قرابة قرن من الزمن مهدا لاحتضان الثورة الجزائرية وإيواء رجالها.

يحدثنا قريب “الدا الحسين” نقلا عمن عايشوا تلك الحقبة، أن المستعمر الفرنسي وخلال الثورة التحريرية، اقتحم الزاوية مرتين بناء على وشايات الخونة، لكنهم عادوا خائبين، وكل مرة سلم فيها الثوار ومنهم قادة الثورة على غرار عميروش وغيرهم من الوقوع في يد المستعمر الفرنسي وآخر مرة كانت خزائن القلعة مليئة بالأسلحة والذخيرة التي استقدمت من تونس، وقال حينها أحدهم إن المخزون لو اكتشف لمُحيت القرية بأكملها من وجه الأرض.

وخلال تواجدنا بالقرية، استقينا بعض شهادات أبنائها من أقران وأصدقاء الراحل أيت أحمد ومنهم رفيق طفولته السيد “سي واعمر أيت عيسى” البالغ من العمر 90سنة، حدثنا عن طفولتهما في القرية وعن دروسهما الأولى في حفظ القرآن في المسجد الذي هو زاوية الشيخ محند أولحسين، بحزن بليغ حدثنا عن صديقه الذي سرقته منهم السياسة وعن نضاله الذي سلبه طفولته وبراءته، مؤكدا أنه كان قليل الكلام وكثير الحركة، ذو فكر وتحليل عميقين منذ الصغر، كان مناضلا منذ أشهره الأولى في المدرسة، كان سياسيا صغيرا لا يخشى أحدا، كان متمسكا بأهدافه ومبديا لآرائه دون خوف، لم يكن مثلنا، بعدما نقله والده إلى عين الحمام لمواصلة الدراسة، قلّت لقاءاتنا لكننا كنا نتواصل وفي كل مرة يكون فيها أكثر نضجا ومقتا وتعطشا للعلم الذي كان يقول دائما إنه السلاح الأقوى لمواجه فرنسا به، لم نكن نفهم كلامه كبرنا واختلفت مسالكنا، فذهبت للمهجر من أجل العمل، ولدى توقيف أيت أحمد سنة 1955، وتحويله إلى سجن “لاسونتي” أرسل إليّ أحد معارفه في المكان الذي كنت أشتغل فيه، فذهبت إلى الثكنة للقاء مسؤولها والحصول على ترخيص يسمح لي بزيارته، لم يسألني عن أحوال عائلته ولا قريته، كان دائم الاستفسار عن حال الثورة وتقبل الشعب لها وتعامله معها، وحذرني من تبعات زيارته لي خوفا عليّ، لكني لم أسلم بصفتي عضوا في فيدارلية فرنسا، حيث سجنت في فرنسا إلى غاية إطلاق سراحي في أفريل 1962، وتقريبا انقطعت اتصالاتنا بسبب المنفى والمرض، وشاءت الأقدار أن أشارك في تشييعه إلى مثواه الأخير في الزاوية التي شهدت أيام طفولتنا وخطواتنا الأولى في الحياة.

أيت بلقاسم فطيمة” أرملة شهيد ابنة قرية دا الحسين ومن أقرانه، قالت بأن أيت أحمد لم يكن مناضلا ولا محاربا لأجل المنطقة فقط، بل كان وطنيا لا يساوم في وطنيته ومناضلا عبد الحرية وحارب لأجلها، قريته عاشت أشد أنواع العذاب، فقد كانت النسوة هن من يقمن بدفن الشهداء وجلب جثثهم من الغابة، حين أفرغت القرية من رجالها وعذب شيوخها وأطفالها، الراحل هو فقيد الجزائر وفقيد الحرية والديمقراطية، قريتنا اليوم تتكرم باستعادة ابنها الضائع، ولا مكان أنسب من جوار والدته لينعم بالسلام أخيرا.

 قرية أيت أحمد التي احتفظت هي الأخرى بنصيبها من النقائص والمعاناة اليومية، كحال الكثير من القرى التي كانت مهدا للثورة وحصنا منيعا لها، لكنها لم تتذوق بعد طعم الاستقلال، التفت السلطات إليها اليوم بكامل عدتها وعتادها، لتعطيها وجها يليق بهذا الرجل، الذي تتحدث كل القرية بمعالمها عن حياة ثائر ومناضل ضحى من أجل الجزائر فقط ولم تغره المناصب، والكل يأسف على رحيله دون أن تستفيد منه جزائر الاستقلال.

مقالات ذات صلة