الرأي

زراعة الفاسدين في دمن الشعوب

حبيب راشدين
  • 2259
  • 0

التهديدات المنسوبة لآفة الإرهاب صرفت أنظارنا عن الخوف المطلوب من آفات قد تكون أخطر على مجتمعاتنا ودولنا من الإرهاب، على رأسها الفساد، وقد صار”آفة دائمة وتتمدّد” أفقيا وعموديا، تطال أدنى الشرائح الاجتماعية وفق قانون: من كل حسب حاجته وشهوته، ولكل حسبما يسمح به ما تحت العهدة من سلطة”.

في جميع المجتمعات وعبر التاريخ، رضي المستضعفون من رعايا الدول بما يلحق المواقع القيادية من امتيازات، تزيد أو تقلّ حسب منسوب الاستبداد السائد في رأس الدولة، وحتى مع ما يحصل من غلوّ في إغداق النعم على أرباب السلطة، فإنه يبقى مقبولا ما دام مرتبطا بتثمين الخدمة، ومعلوما للناس بكل شفافية، ولو أنهم رضوا بهذه القسمة الضيزى أصلا لرضينا بها، وقلنا تلكم نِعمٌ أنعمها الله على بعض عباده.

الفساد يبدأ في اللحظة التي يُستغل فيها موقع المسؤولية للتكسّب والتربّح بغير حق، بوسائل وتقنيات قد طوّرها المُغلون، وألبسوها رداء من الشرعية، وهذا هو الغَلول الذي حرّمته الشرائع السماوية، ويفترض أنه محرّم في التشريعات الوضعية، لولا إبقاء الدول على أبواب الغَلول مواربة، وأغمضت في ما يُتربح به من موقع السلطة بأكثر من طريقة.

كثيرا ما يؤاخذنا القراء على تجاهل ظاهرة الفساد، وهو يستشري بوتيرة هندسية وصار أهلا ليرفع الشعار ذاته الذي انتحلتهداعش“: “باق ويتمددبل هو مثل ظاهرة العنف الإرهابي، قديم قدم فعلة قابل: المفسد الأول والأب البيولوجي والروحي للإرهاب، وما يمنعنا من الخوض في قضايا الفساد بحكم التجربة سوى أمرين:

الأول: أن عامّة الناس المؤانسين على مدار أيام السنة لآلة الفساد، وهي تشتغل داخل مرافق الدولة وأسلاكها هم أعلم منا بمقدار تفشي الآفة، وخروجها من أحراش السرية ودهاليز التكتم، لتمارس على المكشوف دون خجل من الناس، أو خوف من عقاب الدنيا والآخرة.

الثاني: أن الدولة ككيان لم تعُد تلتفت لما يُقال أو يكتب عن الفساد والمفسدين فيها، ولا يرتدّ لها طرفٌ، وهي على رأس قائمة المتهمين، إذا كان خيار دوامها ودوام أربابها في مواقع السلطة، قد اُرتهن بمقدار قدرتهم على تعميم سلوك الفساد واستشرائه ليتمدد من الرأس إلى أخمص القدمين، كحاجة وأداة تحكم في إدارة الشأن العام، وحسن قيادة القطيع، ولأنهم يرون أنه لا مستقبل لدولة أو سلطة فاسدة في مجتمع فاضل، يرفض أهله التطبيع مع الفساد ومنظومته وأهله، وقد ثبُت بالنقل والعقل، أنه لا رشوة، ولا مرتشي، إلا مع وجود راشٍ يريد أكل مال غيره بالباطل، وساعٍ بينهما قد اتخذ السعي مهنة للتكسّب، ولا سبيل لتعاطي المحاباة والمحسوبية، لو لم يكن بيننا أكثرية قد صدُقت فيها الآية الكريمةوَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَّ“.

وقد حق القول دون تردد: إن الفساد الذي هو من جنسخضراء الدِّمنأو هو أقرب، قد صرنا له وبمحض إرادتنا دمنة خصبة يرعى فيها الفاسد كزرع خبيث قد أخرج شطأه فآزره فاستغلظ واستوى على سوقه

مقالات ذات صلة