الرأي

زعماء لا يموتون!

جمال لعلامي
  • 4184
  • 5

ودّعت فنزويلا زعيمها التاريخي هوغو تشافيز، الرجل المعروف بالثبات على المبادئ والمواقف، وهو أيضا من طينة وجيل الزعماء الذين لا يموتون.. وعندما يُذكر اسم هذا الرئيس، يجب التذكير بتأميم عدّة شركات عام 1986، القرار الذي أكسبه تأييد وتضامن الفقراء، فكان اشتراكيا حتى النخاع، من حيث مساعدة الفئات المحرومة ومحاربة “أثرياء الأزمة”، وباتخاذ القرارات الشعبية و”الشعبوية” الجريئة.

هكذا يرحل تشافيز، ليذكـّر جيل الزمن الجميل، برؤساء ماتوا لكنهم مازالوا أحياء وسط شعوبهم، وبين هؤلاء الخالدين، الراحل الموسطاش هواري بومدين، من بين الرجال الذين قضوا نحبهم ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا.

رحيل تشافيز، هو مشهد آخر لبداية نهاية عهد قديم، ظلت فيه الكلمة للشعوب، وكان العدل عندها أساس توزيع الثروات والمسؤوليات، وكانت أيضا المبادئ والمواقف من القضايا المصيرية، خطّ أحمر، لا يُمكن بأيّ حال من الأحوال تجاوزه، وهي قبل ذلك، غير قابلة للتنازل أو التفاوض.

لقد ظلّ تشافيز، مثله مثل بومدين، يطالب بتكريس نظام عالمي أكثر عدلا، وضد الظلم والطغيان، ومساندة الشعوب التي تناضل وتكافح من أجل حريتها واستقلالها، ظالمة أو مظلومة.

لقد وقف تشافيز مع القضية الفلسطينية، وكان أحيانا فلسطينيا أكثر من العرب والمسلمين، أصحاب هذه القضية العادلة، وهو الرئيس الذي طرد السفير الإسرائيلي من فنزويلا، اثر العدوان الإسرائيلي على غزة، عام 2009، فأعطى مثالا في النضال والجرأة لرؤساء وملوك يغرسون رؤوسهم في الرمال ويفضلون خيار المهادنة والمداهنة!

إن رحيل، تشافيز، سيعزز الأريحية بالنسبة لنظام عالمي جديد، مبني على التهميش والإقصاء و”الحڤرة” والإهانة والإساءة ونهب ثروات الدول التي قبلت على نفسها الهوان، أو وجدت نفسها وحيدة يتيمة في مواجهة أخطبوط لا يُهزم بـ”اذهب أنت وربك فقاتلا لوحدكما”!

قائمة المغادرين طويلة وعريضة، وهذه سنة الله في خلقه، لكن انتظروا المزيد من المعاناة والتحامل والتطاول، فقد تساقط “المقاومون” الواحد تلو الآخر، ومصيبتنا، أن المعسكر الآخر، يحفظ تواجده بتوارث المبادئ والعقائد، فيما معسكرنا المتهاوي لا يرث إلاّ المذلة والهوان، وتكتيكه التخلـّي عن المواقف الثابتة لتفادي الأسوأ وتجنب ضربات قد تقطع الأرزاق والأعناق بفتوى مباشرة من هيئة الأمم أو مجلس الأمن الذي لا يحمي المغفلين والمستضعفين!

نعم، للسابقين أخطاء ونقائص وخطايا، فلكلّ إنسان هفوة ولكلّ جواد كبوة، لكن لنقل بأن الجيل القديم من الزعماء، وبينهم بومدين وتشافيز وجمال عبد الناصر وياسر عرفات والملك فيصل وصدام حسين، وغيرهم، نجحوا في صناعة هيبة وسمعة وكبرياء لبلدان عانت ويلات الاستعمار، ولم تخرجه إلاّ بالحديد والنار، ودفعت بعدها الفاتورة غالية، بسبب تعنتها وكرامتها ورغبتها في ردّ اعتبارها حتى وإن كان من فمّ الأسد أو من بين أنياب التمساح!

على الشعوب الضعيفة أن تخاف وتخشى ممّا هو قادم، فقد يكون سقوطا شاقوليا من السيّء نحو الأسوأ، لأن رحيل “زعماء” من طينة تشافيز وبومدين وعبد الناصر وعرفات والقذافي ولوثر كينغ -حتى وإن اختلفت وتناقضت ظروف وطريقة رحيلهم- ستسيل لـُعاب “قادة” النظام العالمي الجديد، من ملّة أوباما وهولاند وكاميرون و”أصدقائهم” من أمراء وملوك ورؤساء “بقايا” العرب والمسلمين!

مقالات ذات صلة