زمن الرفض لا زمن الروافض
يعيش الفلسطينيون منذ عام تقريبا أياما عسيرة بسبب العدوان الصهيوني الذي بدأ في غزة وامتد إلى لبنان وقد يمتد إلى أي مكان من منطقتنا العربية والإسلامية. أيام يستمرفيها الصمت العربي والدولي، وتطل فيها الفتنة برأسها، يتولى كبرها بعض الدعاة الذين وجدوا في هذه الأيام العسيرة فرصة لاجترار بعض الفتاوى التي رحلت من زمن التتار إلى هذا الزمان، دعاة لا نسمع لهم ركزا..
إلا حينما تدلهم الأمور وتشتعل الدور وتخترق الثغور وتبلغ القلوب الحناجر، وتنبعث فيها رائحة الموت من كل مكان ،في هذا الظرف العصيب، يخرج علينا هؤلاء الدعاة ليثبطوا العزائم وليحذروا من الخطر الداهم خطر الرافضة، قدوتهم في ذلك فتاوى ابن تيمية التي يكادون يجعلون منها مصدرا من مصادر التشريع، فتاوى قيلت في زمانها وكانت صالحة لذلك الزمان ثم انتهت أو كادت، ولكن شاء هؤلاء أن يبعثوها من جديد ويرحلوها إلى هذا العصر، فندبوا لهذه المهمة بعض أئمتهم الذين يعيدون طحن الطحين وتذكيرنا بضلالات الشيعة الإمامية التي لم تعد من كثرة الطرق خافية على أحد حتى على العجائز وأقسام محو الأمية، بعد أن سبرها العلماء وبينوا عطبها وعورها ومخالفتها للسنة وانسياقها في سياقات خطيرة اتباعا للهوى وتقليدا لليهود والنصارى.
نحن قوم لا نساوم على ديننا ولا نداهن ولا نهادن من يسب أمنا العفيفة الطاهرة عائشة رضي الله عنها، ولا من يسب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير من علم فعمل وعمل فلزم وخير من عاهد فأوفى. ولا نوالي من يستبدل عقيدة التجسيد بعقيدة التوحيد، أو يستبدل الفكر الضال بالوحي المعصوم أو من يلوي أعناق النصوص حتى توافق هواه، أو من يدعي أن عليا عليه السلام ولي معصوم وأنه من الله بمنزلة إبراهيم الخليل غليه السلام.
هذه هي عقيدتنا التي لا نحيد عنها قيد أنملة، رضعناها مع لبان أمهاتنا وعشنا ونعيش لها إلى أن تلتحق الورقا بعالمها الأسمى. لقد أشربنا هذا العقيدة منذ نعومة أظفارنا ولقناها لمن ولينا من العامة والخاصة، على المنابر وفي رحاب المدرجات والمخابر لربع قرن أو يزيد.
هذه هي عقيدتنا في علاقتنا مع الخالق ومع وحيه المعصوم، ولكن دون ذلك أمور أخرى، وهي علاقتنا مع الخلق، التي تتحدد في ثلاث دوائر، الدائرة الأولى وهي دائرة من تجمعنا بهم رابطة الإسلام ورابطة الأخوة وتجمعنا بأكثرهم، وحدة الفكر والتصور ووحدة المصير، وهم المشار إليهم في قوله تعالى: “إنما المؤمنون إخوة”، أخوة تقتضي النصرة ووقوف بعضنا مع بعض في ساعة العسرة. والدائرة الثانية، هي دائرة من تجمعنا بهم رابطة الإسلام، ممن يوافقوننا في الأصول ويخالفوننا في بعض الفروع، وهؤلاء تحكمنا بهم قاعدة: “نعمل فيما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”. والدائرة الثالثة، هي دائرة من تجمعنا بهم جغرافية المكان وهو العالم الإسلامي، ممن يخالفوننا في الأصول والفروع فهؤلاء لا عهد بينهم وبين الإسلام وإن ادعوا إليه نسبا، ولا عهد بيننا وبينهم وإن ادعوا إلينا وصلا َلأن مبنى الإسلام على الأصول والفروع فمن خالفها انضم إلى حلف المخالفين حتى وإنصلى إلى قبلتنا وتكلم بأَلسنتنا.
اعتلى الإمام المنبر وطفق يحذر المصلين من خطر الشيعة، كان له شهيق وزفير وكأنه يدعو إلى النفير من شر مستطير، وعدو بغيض زاحف من لبنان وإيران، يريد أن يفسد عقائد المسلمين ويلبس عليهم دينهم ويظهر في الأرض الفساد، هم رافضة هذا العصر كما سماهم الإمام والمقصودون بالطبع شيعة لبنان وإيران. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو ما الهدف من إثارة الصراع التاريخي بين السنة والشيعة في هذا الوقت بالذات الذي يواجه فيه المسلمون شيعة وسنة هجمة صهيونية غير مسبوقة، تريد أن تبتلعهم جميعا وتجتثهم عن بكرة أبيهم ؟. من يحرك بعض الأئمة في هذا الظرف العصيب لتفريق الأًمة بحجة الدفاع عن السنة؟. إن هؤلاء يقدمون هدية على طبق من ذهب لإسرائيل المنشغلة بالتفجير في الوقت الذي ينشغل فيه إخواننا بالتكفير، والمنشغلة بحلم إسرائيل الكبرى في الوقت الذي ينشغل فيه إخواننا بكتاب مجموع الفتاوى لابن تيمية. يا فرحة نتنياهو وغالانت وأدرعي ومن معهم من محور الشر حينما يجدون من بعض الدعاة المسلمين من يبيض صحائفهم ويعينهم على عدوهم ومن يقوم بالدعاية ضده نيابة عنهم. إن الزمن زمن الرفض وليس زمن الروافض، زمن الصراع من أجل البقاء وليس زمن النفخ في فتاوى الولاء.
لست من أتباع حزب الله اللبناني ولا من أتباع نظام الملالي، ولكنني أؤمن بأن من حق هؤلاء الدفاع عن حدودهم ووجودهم بحد السيف ضد عدو لا يعترف إلا بلغة الحسام المهند، كما قال الشاعر:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
من حق شيعة لبنان وإيران أن يدافعوا عن أرضهم وعرضهم ضد كيان غاصب تسنده قوى الاستكبار العالمي، التي تمده بالسلاح ثم تدعو إلى التهدئة و إلى ضبط النفس وتغليب لغة الحوار !! . من حق شيعة لبنان وإيران أن يقصفوا من قصفهم وأن يعتدوا على من اعتدى عليهم بمثل ما اعتدى عليهم. من حق شيعة لبنان وإيران أن يعدوا لعدوهم ما استطاعوا من قوة وأن يحولوا بينه وبين مشاريعه الجهنمية لتهويد المنطقة وتحويلها إلى بؤرة فساد يسوسها الموساد. من حق شيعة لبنان وإيران ألا يهينوا ويستكينوا في حرب تستهدفهم وتسعى لاستئصال شأفتهم. ومن حق شعوب المنطقة العربية والإسلامية أن تهلل لكل ضربة تستهدف العمق الإسرائيلي وتستهدف منظومته الصاروخية التي أوقعت آلاف الشهداء في غزة الجريحة التي تركت وحدها، تواجه مصيرها وتحصي قتلاها وتشيع موتاها في صمت عربي ودولي كصمت أهل القبور وكأن الغزاويين شعب لا يستحقه الحياة ودماءه رخيصة مستباحة. أين المدعون وصلا بالسنة ليبلوا في نصرة إخوانهم في غزة كما أبلى سلف هذه الأمة، أين منهم من يستشعر ما استشعره عمر الفاروق الذي قال قولته المشهورة : “لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة”، وأين منهم من يبلي بلاء خالد بن الوليد وأسامة بن زيد، أم أن أهل غزة أيضا رافضة يستحقون ما ينزل بهم ولا تجوز نصرتهم ؟.
لا أدري بأي منطق يفكر بعض التيميين المتيمين بابن تيمية، الذين يتعصبون لفتاواه ولكنهم لا يجاهدون جهاده ولا يسيرون سيرته، فلم يكن ابن تيمية خَـوّانا ولا خوارا بل كان صعب العريكة، فأين هؤلاء من جهاد هذا الرجل ومن صلابته في الحق واستماتته في الدفاع عن السنة ونصرة أهل القبلة؟. أين هؤلاء من جهاد رجال السلف الذين لم تلن لهم قناة وهم ينشرون بالمناشير وسياط عدو الله وعدوهم تلهب ظهورهم ؟. أين هؤلاء من جهاد أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه الذي أبلى في الدفاع عن الإسلام بلاء حسنا؟.
إن الزمن زمن الرفض لا زمن الروافض، زمن رفض المشاريع المسمومة التي تصاغ في مختبرات الموساد إمعانا في الفساد وفي إحداث القطيعة بين الإسلام والمسلمين وإشغالهم بالفروع وصغائر الأمور وتشجيعهم على فقه القبور وتزهيدهم في فقه الثغور حتى أضحوا كالريشة في مهب الريح تتقاذفها التيارات يمنة ويسرة لا تملك من أمرها شيئا، لا تعرف ماضيها ولا تتحكم في حاضرها ولا تعلم مستقبلها.
إن الزمن زمن الرفض لا زمن الروافض، زمن رفض سياسة الأمر الواقع التي يحاول نتن ياهو فرضها على الفلسطينيين من خلال خريطته المزعومة التي تبتلع غزة والضفة الغربية لأنه يحن إلى مجد يهوذا والسامرة ويسعى لتحقيق مشروع تهويد كل فلسطين التي يعتقد أنها أرض يهودية، هجر منه اليهود في فترة من الفترات في ظل حكم بعض الأنظمة المستبدة المناهضة لليهود والمعادية للسامية.
إن الزمن زمن الرفض لا زمن الروافض، زمن رفض مقايضة الحق في الوجود والسيادة على الحدود بما يسمى “حل الدولتين” الذي لن يكون إلا على مقاس صهيوني وبقسمة ضيزى، يسمح فيها للفلسطينيين بإقامة دولة ولكنها دولة منزوعة السلاح لا تتحكم في إدارة شؤونها ولا تملك من أمرها شيئا.
إن الزمن زمن الرفض لا زمن الروافض، زمن رفض سياسة الترويع والتجويع التي يمارسها الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والأجزاء الجنوبية من لبنان لأنها لا تقبل بفكرة الولاء والاحتواء التي تجردهم من قيمهم وتسعى لشراء ذممهم بأي ثمن أو من غير ثمن.