زمن الهجرة إلى الانتفاضة الكبرى
جانب من القيادات الفلسطينية والعربية الإسلامية ينظر إلى العربدة الصهيونية بالمسجد الأقصى وكأنها فعل طارئ، غير متوقع، قد أخذها على حين غرة، وكأن ما حدث من اعتداء على المسجد الأقصى لم يكن له سابقة، وقد نسينا ما فعله شارون من قبل، في وقت لم يكن فيه الطوق العربي قد فُكك، وكانت سوريا سالمة، ومصر بعافية، وحزبُ الله مرابطاً في جنوب لبنان، ولم تكن المقاومة الفلسطينية، في الضفة وغزة، قد سقطت بعد في لعبة التهارش الأحمق على إدارة سجن غزة، واقتسام وظائف كلاب الحراسة على ما عفا عنه الاستيطان في الضفة.
غير أن المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني المسيحي لم يكن يعِد منذ البداية بأقل من إحكام القبضة على القدس، وضم أراضي الضفة بالتقسيط المريح، كمرحلة أولى تسبق مرحلة التوسع حتى تشكيل إسرائيل الكبرى، هي التي وُظفت لها اليوم “داعش” وأخواتها في بلاد الشام وسيناء، ليكون التتويج بهدم المسجد الأقصى، وإعادة بناء هيكل سليمان أو “بيت حاميقداش” (بيت التقديس) أو “بيت القرابين” كما يصفه التلمود، وهو مطلبٌ لليمين المسيحي قبل أن يكون مطلبا يهوديا، أوكل تنفيذه للتنظيم الصهيوني الذي رعته الإمبراطورية البريطانية، قبل أن تتعهده الإمبراطورية الأمريكية، وأنه كان ينبغي على الفلسطينيين والعرب والمسلمين أن يعلموا أن أمريكا والغرب هما العدو، وأن يهود الخز من أوروبا الشرقية الذين شكلوا العصبية المقاتلة في الدولة الصهيونية، إنما يقودون منذ البداية حربا بالوكالة عن الغرب، وأن جماعة “الهغانة وإيرغون” الإرهابية الصهيونية هي “داعش الأولى” وهي تنتظر الساعة التي تستكمل فيها “داعش الثانية” الجزء المتبقي من مخطط التمكين لبناء دولة إسرائيل الكبرى.
وكما وجب على الفلسطينيين التحرر من “أسطورة بناء الدولة الفلسطينية” المحرم قيامها دوليا، منذ توقيع مجلس الأمن على شهادة ميلاد الكيان الصهيوني، فقد وجب على الأكثرية منهم في الشتات التحررُ من “وهم العودة” بأدوات القانون الدولي، لأن من طُرد بالقوة لن يعود إلا بالقوة، بهجرة 8 ملايين فلسطيني في الشتات في فعاليات انتفاضة مفتوحة ساحتها حيثما وُجدوا، ولن يعدموا بنوك أهداف للعدو متيسرة في القارات الخمس، ما دام العدو قد ألغى الحدود بمنظومة طائرات الدرون تقتل من يشاء من المسلمين حيث يشاء، وما دام قد عطل جميع قوانين الحرب ونواميسها الأخلاقية.
ولأن المستهدف في فلسطين هم العرب والمسلمون أولا وأخيرا، فهم اليوم بحاجة أكثر من الفلسطينيين إلى استبدال “الفوضى الأمريكية الخلاقة” بفوضى مضادة، تستهدف العدو حيث أمكن ضربه، وقد بدأ بعض الشباب الفلسطيني اليائس من البشرية، يختبر بعض بدائلها في عمليات الدهس الأخيرة لمجاميع المعمّرين الصهاينة وعساكرهم، وبين ظهرانيه تعيش كتلٌ استيطانية صهيونية لا يمكن للصهاينة حمايتها من انتفاضة ثالثة لن تكتفي هذه المرة بالحجارة، قد تساعد في عودة الوعي لشباب مسلم قد غُرّر به في معارك جانبية، حوّلته إلى حليفٍ موضوعي للعدو، يخرّب ما بقي من قوة عند العرب والمسلمين، ويسخر لكسر القمقم الذي سوف يخرج منه عفاريت حرب المئة عام بين فِرق المسلمين وأعراقهم.