ساحل هنين بتلمسان… وراء كل شاطئ قصة
لا تزال منطقة هنين أو حنين الساحلية (60 كلم شمال شرقي ولاية تلمسان)، بساحلها الممتد من الغزوات إلى غاية هنين، تشكل مزار الآلاف من السياح والمصطافين سنويا، ولا يزال ساحلها بوجه أخص ملاذا لعشاق البحر والطبيعة وللآلاف من الزوار الذين يحدوهم الشغف لاكتشاف تلك المناطق الساحرة وما تتميز به شواطئها من مناظر تأسر العين لما يرسمه الإبداع الإلهي من جمال عبر تلك التشكيلات الصخرية الراسية في مياه البحر، وما تعكسه من تناغم يمتزج مع زرقة البحر، مضفيا الكثير من السحر والجمال، يجعلنا في حالة ذهول لما تكتنزه الطبيعة من روعة خلابة في أدق تفاصيلها، أمام ما أبدعه الخالق الوهاب، والذي يجعلك عاجزا عن وصف ذلك السحر الرباني المنثور على منطقة تقول كتب التاريخ إنها تأسست في القرن الثاني عشر ميلادي وتمتد جذورها التاريخية إلى العهد الفينيقي.
تحفة طبيعية فريدة من نوعها
لن نخطئ الحقيقة إن قلنا إن ساحل هنين يعد واحدا من عجائب الدنيا، فطبيعته العذراء وتلك التضاريس الصعبة جعلته بمنأى عن أي تغيرات قد تطالها يد الإنسان، وتبقى شواطئه خاصة الصخرية، أحد أهم الأماكن الساحلية التي لا تزال تحتفظ بالكثير من أسرارها وقصصها التي تثير رغبة استكشافها، وتبعث تلك الحكايا الأسطورية التي لا تزال متوارثة بين سكان هذه المنطقة إلى يومنا هذا… فوراء كل شاطئ في هذا الساحل الساحر قصة… قصة مثيرة، مشوقة، وبين هذا الشاطئ وذاك، يقف الإعجاز الإلهي ماثلا أمام أنظار كل من وطئت أقدامه هذا الساحل الفريد من نوعه.
البربجاني.. أو مرفأ القراصنة
يعد شاطئ البربجاني آية من آيات الله بمناظره الخلابة وتضاريسه الطبيعية، التي تفرض على كل من يبتغي استكشافه الاستنجاد بالزوارق المطاطية، إذ يبقى من الصعب الذهاب إليه مشيا على الأقدام، وإن كان محبو المغامرات لهم رأي آخر ممن يفضلون ركوب الخطر والسير في المسالك الوعرة على الأقدام، وقطع مسافات طويلة، مرهقة ومتعبة ولكنها تبقى في نظرهم ممتعة، إذ باستثناء “المغامرين” فما عليك إلا استئجار زورق مطاطي من ميناء هنين، إذا أردت الاستمتاع بتلك التشكيلات الصخرية والخلجان في عرض مياه البحر، تشكيلات تشكل في الأصل ممرات تقودك إلى البربجاني أو كما أطلق عليه قديما “مرفأ القراصنة”.
المرفأ كان يتخذه البحارة المحليون وفق ما جاء على لسان السيد “بوعزة ميلود” (مهتم بالشأن التاريخي للمنطقة ورئيس بلدية هنين سابقا) في حديث للشروق، مخبأ، فهذا الشاطئ الذي هو عبارة عن خليج، كان مخبأ ومرفأ لسفن البحارة المحليين تنطلق منه السفن الحربية ضد القراصنة تحديدا القراصنة الإسبان من الغزاة، والذين كان من بينهم القرصان الاسباني “الخوان بابلو دي بربادجاني”، فقد شهد هذا الشاطئ إحدى أهم المعارك البحرية التي عجلت بسقوط اكبر أسطول بحري كان يقوده -كما جاء على لسان محدثنا- هذا القرصان الاسباني، قبل أن ينصب له كمين ويتم استدراجه إلى مرفأ القراصنة الذي انطلقت منه سفن لبحارة محليين، الأمر الذي دفع بالقرصان الاسباني لتوجيه سفنه الحربية نحو تلك السفن، قبل أن يفاجئه البحارة المحليون وينقضوا عليه من الخلف، واضعين بذلك حدا لبطش هذا القرصان الاسباني الذي عاث فسادا في تلك الفترات الزمنية، أين تم جر سفنه الحربية إلى مرفأ القراصنة، إلى أن تحطمت نهائيا، ومن يومها تمت تسمية هذا الشاطئ نسبة إلى هذا القرصان الاسباني الطاغي، التي انتهت قصته على يد بحارة محليين.
من هنا انطلقت معارك البحر
وإن كانت هذه الرواية الأقرب إلى المنطق، فإن هنالك عديد الروايات الأخرى التي اختلف فيها أصحابها حول أصل التسمية، إذ يقول في هذا الشأن “مراد. ق” (مهتم بالتاريخ المحلي للمنطقة) لـ”الشروق: إن أصل التسمية يعود إلى في الأصل لمستوطني المنطقة، إذ عندما شاهدوا لأول مرة بحارة بلحي كثيفة قالوا “البارب جاني”، وهي عبارة مشكلة من كلمتين، الأولى مفردة فرنسية “بارب” وتعني “اللحية” والكلمة الثانية مفردة باللهجة العامية “جاني” وتعني “جاءوا” أي ذوي اللحى جاءوا، فكما هو معروف، أن القراصنة كانوا معروفين بلحاهم الكثيفة والطويلة، غير أن هذه الرواية عن أصل التسمية تبقى بعيدة عن السياق التاريخي وما تتميز به هذه المنطقة الساحلية.
فيما تذهب رواية أخرى، للقول إن أصل التسمية يعود لسكان المنطقة الذين ينحدرون من “البربر” وأن المنطقة هي منطقة بربرية، وكيفما اختلفت الروايات عن أصل التسمية، فإن ما لا يختلف عليه اثنان هو الموقع الإستراتيجي الذي يقع فيه هذا الشاطئ، والذي تجعلك هندسته من الوهلة الأولى تشكل انطباعا أوليا على أن الأمر فعلا يتعلق بما يشبه “مخبأ” أو مرفأ يتخذه البحارة والقراصنة والصيادون منطلقا لعملياتهم البحرية، سواء تعلق الأمر بأنشطة الصيد أو للقيام بعمليات حربية ضد الغزاة من القراصنة الأجانب في معارك “البحر” التي كانت تشهدها هذه السواحل.
ملتقى المياه العذبة والمالحة
بغض النظر عن كل ما سبق ذكره، فإن الأمر المثير للدهشة حقا، يكمن في أن هذا الشاطئ يعد نقطة التقاء بين المياه العذبة الآتية من أعلى مصب الوادي بأعالي جبل تاجرة والمياه المالحة للبحر، إذ كلما حفرت بالشاطئ إلا وعثرت على المياه العذبة، وهو ما أكده لنا الأستاذ بوعزة، مشيرا في سياق حديثه، إلى أن الأمر هنا يتعلق بـ”الإعجاز الرباني”، فالمنطق العلمي يتحدث عن أن انتقال الماء غالبا ما يكون من المستوى الأقل تركيز إلى الأكثر تركيزا (ظاهرة الاسموز) غير أنه أمام هذا الإعجاز الإلهي تنقلب الموازين، وهي إحدى أهم الظواهر التي حيرت الباحثين، إذ تبقى من المعجزات الإلهية التي تبقى الإجابة عليها معلقة، ولم يجد لها العلم أي قراءة علمية.
ليس بعيدا عن هذا الشاطئ الذي يعد وجهة سياحية مفضلة لأصحاب الزوارق وعشاق ركوب الأمواج ومحبي التزلج فوق سطح مياه البحر، يظهر من هنالك في الجهة الشمالية الغربية، شاطئ صغير على شكل فوهة كهف، يعلوه كهف مفتوح يحتوي على نوازل وصواعد في تشكيل جيولوجي ساحر ورائع، تقول بشأنه الرواية الشعبية وما هو متوارث بين السكان، إن كل زوجين لم يرزقا بالذرية، ومصابين بالعقم، يذهبان إلى ذلك الكهف ويجلسان تحت تلك النوازل والصواعد، فإذا سقطت عليهما قطرات من الماء من السقف فسيرزقان بالذرية، وإن لم يحدث ذلك فلن ينجبا الأطفال، وهي إحدى أهم الروايات الشعبية شيوعا بين سكان المنطقة، والتي جعلت الكثير من الأزواج يغامرون بالذهاب إلى تلك الكهوف في عرض مياه البحر بحثا عن إنجاب الأطفال..
عين المكلفة.. النافورة اللغز
لا تتوقف الدهشة مما تضمنته القصص والروايات وتلك التفاصيل المثيرة حول شاطئ البربجاني وما يحيط به من شواطئ وخلجان، إذ في طريقك صعودا إلى الوادي الذي يعلو الشاطئ، ستجد منبعا مائيا يسمى “عين المكلفة”، منبع مائي عذب، صاف وساكن، لكن إذا ما اقترب أي شخص من هذه العين يفور ماؤها وتتحول إلى “نافورة” في مشهد ساحر يأسر العين، لا يمكن تخيله أو توقعه، إذ يبقى هذا المنبع المائي يحتفظ بسره الإلهي إلى يوم الدين، هذا وتبقى هذه الظاهرة الفيزيائية لغزا يثير فضول كل رواد هذه العين.
ومن بين سفوح أعالي جبال تاجرة، وتحديدا بين شاطئ بربجاني وهنين، تنبع مياه “وادي القيامة” التي تلتقي في عناق أسطوري مع مياه البحر، مشكلة شاطئا صغيرا غاية في الجمال والروعة، سمي هذا المنبع المائي بـ”وادي القيامة” حسب ما أكده لنا الأستاذ بوعزة، إلا أن الجزء الأخير من هذا الوادي عبارة عن منحدر عميق جدا، تتوسطه برك مائية يصل عمقها ما بين 2 و3 أمتار، وأكبر هذه البرك عبارة عن مسبح يقع بأسفل الوادي.
وقد تمّ توارث الأهالي، رواية أن كل من ينزل إلى هذا المنحدر يختفي وتقوم قيامته، لذلك سمي بهذا الاسم، إلا أن السيد “مراد. ق” له رأي آخر ورواية أخرى على أن تسمية هذا المصب المائي بـ”وادي القيامة” يعود لسقوط نيزك تبعه انفجار هائل، جعل السكان المحليين من أهل المنطقة يعتقدون أن القيامة قامت، خاصة عندما لاحظوا وشاهدوا سقوط صخرة كبيرة من السماء، وكان من اثر سقوط هذا النيزك حدوث تشققات أرضية ساهمت في تشكيل تضاريس الوادي الذي أصبح يصب في البحر، ومن ذلك اليوم سمي هذا الوادي بوادي القيامة.
النيزك الذي تحول إلى الحجرة المرابطية
أما عن سقوط النيزك، فيرجع بنا الأستاذ “ميلود بوعزة” إلى سنة 1914 وهي السنة التي سقط فيها النيزك على قمة جبل تاجرة، وأحدث انفجارا هائلا سمعه حتى سكان المناطق المجاورة، وقد أرسلت حينها الإدارة الاستعمارية الفرنسية، باحثين لاستكشاف الأمر، وتوجد وفق ما أشار إليه محدثنا، صخرة كبيرة في أسفل الجبل، وتحديدا بقرية سيدي أحمد، تسمى هذه الحجرة إلى يومنا هذا بـ”الحجرة المرابطة”، وعن أسباب هذه التسمية يقول المتحدث ذاته، إن السبب هو كون الحجر “نزل من السماء”، حيث لا يزال إلى يومنا هذا، يذهب إليها الكثير من الأهالي يتبركون به، في اعتقاد منهم أنها تشفي العديد من الأمراض، خاصة أمراض المفاصل والظهر، حيث لا يزال يقصدها الكثيرون من أجل العلاج.
هذه الحكايا وغيرها التي جعلت من شواطئ ساحل حنين سواء تلك التي يرتادها السياح والمصطافون، على غرار تافسوت، المخلد واقلا أو تلك الشواطئ الصخرية بتضاريسها المدهشة، تدفع بالعديد من السياح إلى استكشافها وقضاء فترات ممتعة بها، حيث قام العديد من أصحاب المراكب البحرية بوضع زوارقهم من أجل تقديم خدمات لكل من يرغب في قضاء بعض من وقته بشاطئ البربجاني، الذي يبقى من أكثر الشواطئ استقطابا للسياح وهواة المغامرة.