ساركوزي يعود إلى المدرسة
قالت يومية لوموند الفرنسية إن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي منشغل بتحدي علمي كبير وهو تعلّم اللغة الانجليزية التي شكّلت بالنسبة للرجل خلال عهدته الرئاسية عقدته الكبرى، وهو ما جعله يعود سريعا إلى مقاعد الدراسة وهو في سن التقاعد السياسي بمعدل ثلاث حصص في الأسبوع، لأجل مباشرة مهنة جديدة صار يمتهنها الرؤساء السابقون مثل بيل كلينتون وهي تقديم المحاضرات والمشاركة في المؤتمرات العالمية التي تجمع الرؤساء السابقين مع جمهور لا يفهم غير اللغة الانجليزية.
وعندما تعترف أكبر صحيفة فرنسية بأن عقدة الرئيس الفرنسي هي جهله للغة الإنجليزية خاصة أنه كان يلتقي بالرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش ومن خلفه باراك أوباما وهو يعلم أن أي رئيس أمريكي غير مجبر على تعلم اللغة الفرنسية أو أي لغة في العالم باستثناء اللغة الإنجليزية ولو من باب ممارسة هواية أو تعاطي كماليات، وعندما يعود الرئيس الفرنسي وقد قارب سنّه الستين لتعلم اللغة الإنجليزية، فمعناه إعلان فرنسي صريح عن سقوط اللغة الفرنسية بالضربة القاضية أمام اللغة الإنجليزية، وإعلان عن طلقة اللحاق بلغة المتفوقين علميا واقتصاديا وسياسيا مع التمسك باللغة الأم، واعتراف صريح بالحديث النبوي الذي يدعو إلى طلب العلم من المهد إلى اللحد.
ولا نعلم لماذا كلما سقط المطر في باريس نحمل مطارياتنا، إلا في غيث العلم والمعرفة، حيث مازال همّ أي سياسي عندنا ولو كان بسيطا هو تحقيق الامتيازات المادية وضمان مستقبله ومستقبل أبنائه وأحفاده، وينتهي العلم عندنا بعد تسلّم الشهادة الجامعية، هذا إن كان قد بدأ أصلا خلال الأطوار الدراسية الأربعة. ولم نسمع عن رئيس بلدية أو مدير ولائي أو رئيس نادي كرة أو عضو برلماني أنه عاد إلى المدرسة لأجل القضاء على عُقده العلمية، ولا نتحدث عن المناصب العليا حيث يعلن صاحبها أنه لا يرينا إلا ما يرى، وهو برغم جهله والمواقف الحرجة التي تصادفه في حياته خاصة في جولاته الخارجية والالتقاء مع رفقاء المهنة إلا أنه يرفض التعلّم خلال فترة عمله فما بالك بعد تقاعده، ولا يكاد غالبية المسؤولين عندنا يتعلمون ويجتهدون إلا في مادة الحساب وفي جدول الجمع والضرب فقط حيث تتهاطل الصفقات والعمليات على أفكارهم. ومتابعة جلسة برلمانية وحتى وزارية تبيّن مدى عداء السياسي عندنا مع لغة الكلام، دون أن تحركه عقدته لأن يتحوّل إلى مقاعد الدراسة لتعلم فن الكلام والبحث عن اللغة التي تُمكنه من أن يفهم الآخرين ويُفهمهم.
عندما زار نيكولا ساركوزي مدينة قسنطينة ودخل جامعتها عام 2007 ابتهج بكون غالبية الذين تحدث إليهم ردّوا عليه بلغة فرنسية فصيحة، وابتهج أكثر عندما ألقى خطابه وكان الجميع مشدوها يتابع من دون استعمال وسائل الترجمة، ولكنه بمجرد أن حطّ قدميه في الولايات المتحدة حتى علم أن اللغة التي تحدث بها إلى الجزائريين صارت عاجزة أمام كبار العالم، فكتم عقدته وعاد الآن ليعلن للذين حدثوه وفهموه باللغة الفرنسية أنه كان رفقتهم معوّقا لغويا فقرّر أن يعود مجبرا إلى المدرسة للتعلم حتى لا يبقى أميّا في عالم ما عاد يعترف باللغة الفرنسية … فمتى نعود جميعا؟