سحر الكرة عندنا!!
لا أبالغ إذا قلت بأن معالم جزائر 2014، ستتحدد بعد يومين إثر تأهل أو إقصاء المنتخب الجزائري من المشاركة في مونديال البرازيل، ويزداد أو يتضاءل إثرها الحراك السياسي والاجتماعي والإعلامي والرياضي الحاصل اليوم، وينشغل الناس بالمنتخب والمونديال وينسون همومهم إلى حين، أو يستفيقوا من أفيون الكرة الذي سحر قلوب وعقول شبابنا ليعودوا إلى واقعهم المعيش، ويومياتهم الصعبة ويهتموا بأمور أكثر أهمية، وإثر ذلك سيتبين الخيط الأبيض من الأسود في الجزائر في سيناريو يحدث فقط في البلدان النامية، والمتخلّفة التي تحدد مصيرها ومدى استقرارها أرجل اللاعبين في مباراة واحدة فوق ميدان الكرة!!
مؤسف جدا أن ترتبط معنويات الجزائريين ومعالم الجزائر واستقرارها بمنتخب الكرة، ونتيجة مباراة واحدة، ولكنها الحقيقة المرة التي يدركها ويقرّها الجميع، في ظل التراجع الذي تعرفه العديد من المجالات وغياب البديل الذي يسعد الجزائريين ويشغلهم عن الكرة، وغياب اهتمامات أخرى سياسية واجتماعية وثقافية للجيل الصاعد الذي لم يعد يجد سعادته سوى في ناديه المفضّل أو منتخب بلاده، ولم يعد يشعر بانتمائه وحبه لوطنه سوى من خلال منتخب الكرة في المناسبات الكبرى ..
التأهل إلى المونديال سيكون متنفسا للجميع كما كان سنة 2010، وسيخفي كل العيوب التي تتخبط فيها الكرة والرياضة الجزائرية، فيعتقد الكثيرون بأننا وصلنا إلى تكوين منتخب قوي، وبأننا نملك أحسن اللاعبين، ويدعو البعض الآخر إلى منح الجنسية الجزائرية للمدرب وحيد خاليلوزيتش، وينسى البعض الآخر بأن بطولتنا ضعيفة ولا تنجب اللاعبين، ونوادينا لا تملك الإمكانات والملاعب ومراكز التدريب وبعض مسيريها ومدربيها أثبتوا فشلهم في التسيير وتكوين اللاعبين. التأهل أيضا سيستغل سياسيا واجتماعيا ويشغل الناس عن موضوع الرئاسيات والعهدة الرابعة من عدمها، ويشغلهم إلى غاية مونديال البرازيل عن كل المشاكل والصعاب، وتجد الصحف والقنوات التلفزيونية مادة دسمة تكتب فيها وتتحدث عنها وتشغل الرأي العام بها، وتربح من ورائها الكثير من الموارد من وراء الاشهار..
في حال الإقصاء ـ لا قدّر الله ـ تطفو إلى السطح كل العيوب ويصبح خاليلوزيش، مدربا فاشلا واللاعبون دون المستوى وقد نتهمهم بعدم التحلي بالوطنية وروح المسؤولية، وبأنهم مغتربون لا يحبّون وطنهم بنفس القدر مع اللاعبين المحليين. سيعود الحديث البيزنطي عن أفضلية المدرب المحلي على الأجنبي، وأفضلية اللاعب المحلي على المحترف خارج الوطن، ويتسابق المتسلّقون نحو مختلف وسائل الإعلام للمزايدة علينا في الوطنية ومهارات التدريب وخطط اللعب، وننسى مجهودات الرجال الذين عملوا على إعادة بعث منتخب وطني يفوز ويخسر قطع أشواطا كبيرة ليصل إلى المباراة الفاصلة أمام منتخب لعب نهائي كأس أمم إفريقيا الأخيرة التي خرجنا منها في الدور الأول..
في كلتا الحالتين صار سحر الكرة للأسف الشديد هو الذي يصنع الفارق عندنا، ويحدد معالم المستقبل ومعنويات الناس واستقرار المؤسسات، وقد يقرر مصير الكثير من الأطراف على كل المستويات في مجتمع لا يزال هشا غير متوازن، لا يقوم على أسس وقواعد ثابتة لا يتوقف مصيرها على نتيجة مباراة منتخب كرة القدم.
الأكيد أن كل الجزائريين يأملون في تأهل منتخبنا إلى المونديال، والشعب الجزائري يستحق معايشة فرحة أخرى كتلك التي عاشها في نوفمبر 2009، ولكن الجزائر تستحق منّا كل التضحيات، كل وقت وفي كل المجالات، والجزائر أكبر من مباراة في كرة القدم، وأكبر من أي مونديال لأن المشاركة فيه لن تحل مشاكلنا، ولن ترتقي بالوطن إلى مصاف الدول الكبرى، بل قد تكون مادة مخدّرة لكل المجتمع.