سعدان: “كثرة المدبرين أغرقت سفينتنا في مونديال 86 بالمكسيك”
لم يتوان المدرب رابح سعدان في الخروج عن صمته في أكثر من مناسبة لتوضيح الكثير من الملابسات والمسائل التي وقفت وراء تفويت فرصة التألق في مونديال مكسيكو 86، سواء بتصريحات وحوارات إعلامية خلال السنوات الأخيرة، أو حتى في نهاية الثمانينيات، من ذلك الحوار الذي به أسبوعية “المنتخب” في أعقاب تتويجه بكأس إفريقيا للأندية البطلة نهي العام 1989 مع الرجاء البيضاوي المغربي على حساب مولودية وهران بملعب هذه الأخيرة.
لا تزال مشاركة المنتخب الوطني في مونديال مكسيكو تثير الكثير من الجدل، بسبب المشوار الذي كان من الممكن أن يكون أفضل، خاصة بعد التعادل أمام ايرلندا والمباراة المثالية أمام البرازيل رغم الهزيمة بهدف لصفر، وكذلك تضييع نقطة التعادل على الأقل أمام إسبانيا في اللقاء الثالث، نقطة كان بالمقدور أن تسمح بحسم ورقة التأهل إلى الدور الثاني، ناهيك عن تحميل مسؤولية الإخفاق للمدرب رابح سعدان في عدة مناسبات. وفي هذا الجانب، فقد خص شيخ المدربين رابح سعدان أسبوعية “المنتخب” بحوار شهر ديسمبر 1989، تزامنا مع تتويجه بكأس إفريقيا للأندية البطلة مع الرجاء البيضاوي على حساب مولودية وهران، حيث كشف حينها لمحاوره علال سرحون الكثير من الخبايا والخفايا التي مر بها المنتخب الوطني قبل وخلال مونديال مكسيكو 86.
أطلقوا العنان لألسنتهم وعرّضوا عائلتي للخطر
وبخصوص صمته عن الإدلاء بأي تصريح مباشرة بعد مونديال مكسيكو 86، رغم الجدل القائم بسبب الخروج من الدور الأول، فقد قال رابح سعدان: “كيف أواجه الجمهور لكشف الحقائق وقد منعوني من ذلك رغم كوني المسؤول الأول على المنتخب الوطني، والأدهى من ذلك أنهم أتوا بأشخاص آخرين وتركوهم يتكلمون عوضا عني”، مضيفا في سياق حديثه بالقول: “لقد نظمت مائدة مستديرة حضرها ونشطها أشخاص كانوا بعيدين عن الفريق الوطني ومحيطه، فراحوا يعطون التفسيرات البعيدة كل البعد عن حقيقة ما جرى، فالأشخاص المدعوون في تلك المائدة المستديرة كانوا على بعد الآلاف من الكيلومترات من مكسيكو، وأنا أتساءل كيف يمكنهم معرفة الحقيقة..”، مضيفا أنه في تلك الظروف أطلقوا العنان لألسنتهم وأعادوا كل أسباب الفشل إلى رابح سعدان و”جعلوني المسؤول المباشر عن كل ما حدث، وذهبوا إلى أكثر من ذلك حيث عرّضوا أفراد أسرتي إلى الخطر”.
منتوري سهّل مهمتنا والذين خلفوه حطموا ما بنيناه
وأوضح رابح سعدان في سياق الحوار الذي خص به أسبوعية المنتخب بعد 3 سنوات من مونديال مكسيكو بأنه عايش فترتين متباينتين في تلك الفترة، الأولى هي مرحلة التصفيات التي كانت حسبه على أحسن ما يرام من حيث النتائج الفنية وحسن التنظيم، مؤكدا أن “نجاحنا كان بفضل التنظيم السائد تحت إشراف رجل محنك هو محمد الصالح منتوري نائب الوزير المكلف بالرياضة سابقا الذي كان وراء النتائج الايجابية التي حققناها، لأنه وضع فينا الثقة الكاملة ووفر جميع الإمكانات للعمل الجاد والجيد”، فكانت حسبه المسيرة والنتائج المرضية التي مكنت “الخضر” من التأهل إلى كأس أفريقيا ثم كأس العالم، لكن للأسف حسب سعدان فإن منتوري استدعي لمهام أخرى وترك فراغا كبيرا استغلته بعض الأطراف على مستوى الوزارة بإقصاء عدة لاعبين أطراف كان هدفنا إتلاف ما تم تحقيقه في المرحلة السابقة، فانطلقوا حسب سعدان في اتخاذ عدة قرارات، من ذلك إبعاد رئيس الاتحادية أولا ثم إبعاد أعضاء الطاقم التقني وتعويضهم بأسماء أخرى تخدم مصالحهم على حساب مصلحة المنتخب الوطني، حدث هذا قبل شهرين عن موعد مونديال مكسيكو، فانقطعت الصلة بين المرحلة السابقة والمرحلة الجديدة فكان حسب سعدان التراجع عوض التطور والعراقيل بدل التسهيلات.
حرموني من فرقاني.. حتموا علي لاعبين وهددوني إذا استقلت
من جانب آخر، أكد رابح سعدان أنه لم يكن يرغب في مواصلة المهمة قبل موعد حلول مونديال مكسيكو، بعدما وقف على الأجواء غير المريحة من الناحية التنظيمية والتسييرية، وكذلك التدخلات الحاصلة من عدة جهات، حيث قال في هذا الجانب “حاولت الاستقالة والابتعاد عن ذلك الجو الذي لم يكن يشجع على العمل لكنهم أرغموني على البقاء تحت التهديدات، خاصة وأنني موظف تابع لوزارة الشباب والرياضة، فكانت الضغوط والتهديدات أقوى من رغبة الابتعاد عن المنتخب الوطني رغم تنبيهي لهم بأن شروط العمل غير متوفرة فلم يأبهوا بذلك وقالوا يجب أن تكمل المسيرة”. وقال شيخ المدربين الجزائريين انه كان يحاول ستر العيوب رغم أنه كان حسب قوله يعمل مقيدا وتحت ضغوط كبيرة خاصة بالنسبة لقائمة اللاعبين التي لم تكن له الحرية الكافية لاختيار العناصر التي يراها تستحق المشاركة، وهذا في ظل المكالمات الهاتفية والأطراف التي كانت تتهاتف، لأن كل جهة تريد أسماء معينة، وأبرز دليل على ذلك حسب قوله “أنني كنت أرغب في إشراك علي فرقاني لكن الجهات المعنية رفضت هذا العنصر البارز وفرضت الأسماء التي تريدها، وهو الأمر الذي جعلني اطلب مرارا مغادرة المنتخب الوطني لكن في كل مرة كنت ألقى الرفض القاطع المصحوب بالتهديدات”. وأكد سعدان بصريح العبارة قائلا: “تحملت وصبرت وعملت وسط الجو الفوضوي المعكر من كل جانب حتى وصلنا إلى المكسيك في جو مشحون قابل للانفجار في أي لحظة، وكانت المناسبة اللقاء الأخير أمام اسبانيا الذي كان بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس وجعلت ما كان سرا يتحول إلى جهر لفظته القلوب
عدم احترام الوعود وتخفيض المنحة أغضب اللاعبين
وأكد رابح سعدان بأن نظام العمل قد تغير والجو الأخوي التعاوني قد تبدل حتى قبل السفر إلى مكسيكو، إذ قامت حسبه اللجنة المشرفة على الفريق الوطني باتخاذ عدة إجراءات منافية للمنطق زادت الأجواء تكهربا، من بينما قرار تخفيض منحة المكافأة الخاصة باللاعبين إلى اقل مما أخذوه في مونديال اسبانيا. وعند العودة إلى التربص الأخير بسويسرا اطلع اللاعبون على القرار ولم يرضوا به خاصة وأن رئيس الجمهورية قال عند استقباله قبل السفر بأن البلد يمر بأزمة اقتصادية لكنه أصر على توفير جميع الظروف للفريق الوطني، وهو ما أكده فيما بعد السيد مسؤول الأمانة الدائمة للجنة المركزية خلال حفل الاستقبال مطلعا اللاعبين على قضية المنحة، وحسب سعدان فقد أخبروه بالمبلغ المالي (بالعملة الصعبة) الذي سيعود للبلاد نظير المشاركة في كأس العالم، فحصل الاتفاق على المبلغ الذي سيقبضه كل لاعب، وهو ما أكده رئيس الاتحادية خلال اجتماعه الأول مع اللاعبين مباشرة بعد الوصول إلى المكسيك، لعبنا -يقول سعدان- المباراة الأولى وتعادلنا فيها ثم جاءت المباراة الثانية أمام البرازيل، حيث أظهرنا وجها جيدا لكن الحظ خاننا في حقيق التعادل. وبعد لقاء البرازيل طالب اللاعبون حسب سعدان بحقوقهم حتى يتمكنوا من الخروج إلى الأسواق، فأخبرهم رئيس الاتحادية ومن معه بأن المبلغ المتفق عليه قد انخفض بحوالي مليون سنتيم فرنسي، وهو ما أثار سخط اللاعبين فاتهموا المشرفين بعدم الوفاء بالعهد.
عصاد طالب بإبعاد المسيرين وخسارة اسبانيا تحصيل حاصل
وأكد رابح سعدان في سيق اعترافاته نهاية العام 1989 لجريدة “المنتخب” بأنه اجتمع باللاعبين في اليوم الموالي لتحديد برنامج العمل تحسبا للمقابلة الثالثة أمام إسبانيا، لكن صالح عصاد طلب الكلمة باسم رفاقه وقال بالحرف الواحد: “اليوم يا أستاذ لا نناقش الأمور التقنية بل نطالبك بإبعاد جميع المحيطين بنا لنبقى وحدنا مع المسؤول التقني فقط”، فانفتح حسب سعدان الباب لتتوالى المشكلات وانقسم الفريق إلى مجموعتين محليين ومحترفين، فانخفضت المعنويات وظهرت التكتلات، وأوضح سعدان بأنه اتصل بمبعوث التلفزة الوطنية قبل المباراة الأخيرة أمام اسبانيا وطلب منه إشعار الرأي العام في الجزائر بما حصل، فوعده حسب قوله لكن لم يفعل، مضيفا أنه عيّن التشكيلة “وخضنا اللقاء الثالث الذي كانت نتيجته متوقعة” لأنه حسب قوله “كل طائر يلغى بلغاه”. وكانت بذلك الهزيمة بمثابة تحصيل حاصل نتيجة المشاكل التنظيمية التي مر بها المنتخب الوطني في مونديال مكسيكو.
السفير حاول مساعدتنا والتأهل كان بين أيدينا وضيعوه
ولم يتوان المدرب رابح سعدان في التأكيد على مساهمات السفير لخدمة المنتخب الوطني بغية التأهل إلى الدور الثاني، لكن المشكل حسب سعدان أنه لم يكن يعلم بالخبر إلا بعد المباراة الثالثة والأخيرة بسبب انقطاع التواصل مع المسيرين، حيث “كان سفيرنا في المكسيك قد قام بكل الترتيبات لتنظيم حفل استقبال ومأدبة عشاء بحضور الوفدين الجزائري والاسباني”. وقال يعدان في هذا الجانب “الأسبان عبروا عن رغبتهم للسفير باكتفائهم بالتعادل الذي يضمن لهم التأهل ويضمن لنا أيضا، فقام السفير بترتيب الأمور وأخبر المشرفين على الفريق الوطني بذلك، لكن هؤلاء لم يكتفوا بكتمان الخبر عني بل فضّلوا قضاء السهرة في مكان آخر، مما جعل السفير في موقف حرج وأثار غضب الأسبان الذين رموا بكل ثقلهم في المباراة انتقاما منا، لأننا في نظرهم لم نعرهم الاهتمام ولم نلب رغبهم في الحضور إلى الموعد المحدد”. واعترف سعدان بالقول “أنا شخصيا لم اعلم بذلك إلا بعد المقابلة، حيث اتصل بي السفير وفاجأني بقوله لماذا لم تأتوا بالأمس”.
وضعت خبرتي لخدمة “الخضر” لكن المفسدين أكثر من المصلحين
ووصل رابح سعدان إلى التأكيد بأنه لم يكن قادرا على تغيير الوضع قبل وخلال المونديال، وقال في هذا الجانب: “أنا موظف لدى وزارة الشباب والرياضة، ما عساي أفعل سوى الامتثال لهذه الأوامر والركوب في سفينة فيها الكثير من الرؤساء والمدبرين، اليوم أنا نادم على استمراري في ذلك الطريق”. مضيفا أنه بعد المونديال اتصل بالعديد من الجرائد التي رفضت نشر أقواله حسب قوله، كما طالب بتنظيم مائدة مستديرة متلفزة أو مذاعة بحضور الأطراف الحقيقية المعنية بالقضية لكن وجد الرفض”، وخلص سعدان إلى القول بأن تجربته كانت قاسية لكن علمته أشياء كثيرة، مشيرا أنه عمل بنية وإخلاص و”وضعت خبرتي ومعارفي في خدمة الكرة الجزائرية والمنتخب الوطني بشكل خاص لكن المفسدين كانوا أكثر من المصلحين”.