سعد الله حمل معه اللوح إلى أمريكا لتحفيظ ولده القرآن الكريم
هذه كلمة رثاء في أستاذنا الدكتور أبو القاسم سعد الله، الذي منحه رفاقه الجزائريون العارفون بفضله، لقب “شيخ المؤرخين وقدوة الباحثين”..، رثاء تخونه اللغة وتمكر به التراكيب فيتحول إلى مديح!.. إذ يجد العقل نفسه مبحرا في عوالم تراثه العلمية والأدبية والثقافية التي تفرغ مفردة الموت من معناها السديمي، فتتلاشى أمام آثاره المجسدة لعصارة فكره، وتفتقات ذهنه، ومثابراته الدؤبة على عدم إغماد قلمه، حتى في أحلك الظروف.. ليس من أجل إعمال الفكر وإحكام النظر ونشر المعرفة فحسب، وإنما لتجسيد موقف أخلاقي يفيض بالإلتزام وينضح بالمسؤولية، متنزها عن ذلك الإنفصام النكد الذي أصاب كثيرا من مثقفي جيله.
الدكتور أبو القاسم سعد الله ليس أستاذ التاريخ المبرز، بجامعة الجزائر العريقة فحسب، وليس مجاهد ثورة التحرير التي ألهمته القوافي والأقاصيص فأبلى فيها بسيف الكلمة، وأهداها إبداعا باقيا، بوّأه في تاريخ أدبها مكانا.. فقط، وهو ليس الكاتب المهموم بحال أمته الذي له في كل قضية رأي وفي كل أزمة رؤية، وكفى.
كما أنه ليس الفيلسوف الذي خبر سنن التاريخ وملابسات الوقائع والأحداث، فأحاط بها وتتبع جذورها ومساراتها واستنبط نتائجها وآثارها، وإنما هو أكثر من ذلك وأعظم وأبعد..، إنه عالم بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني متجددة. عالم لم تفارقه موهبة التعلم، لأنه آمن بأن العلم ليس له ضفاف، وأن سيد الخلق قد أوصانا بالسعي في طلبه من المهد إلى اللحد.. وعالم لم تفارقه موهبة التعليم، لأنه آمن أن الإنفاق من العلم المحصل لا يزيده إلا نماء وعمقا.. وأن مرافقة طلاب العلم والباحثين عنه وفيه، ومعايشة تكونهم الذهني وترقيهم المعرفي لذة لا تضاهيها لذة، ورسالة لا تفوقها سوى رسالات الأنبياء.. ولذلك فقد تجسدت في الراحل أخلاق العلماء، تلك البؤرة الجامعة للبحث عن الحقيقة في صدق ونزاهة وتجرد وضمير حي. ولذلك كان معصوما عن الميل بمنزلته العلمية نحو تحصيل المال أو الجاه أو المنصب، فلقد كان طلبه العلم من أجل العلم.. بل أقول إنه قد طلبه من أجل الله.. حيث لا يؤدي العلم الحقيقي إلا إلى المعرفة به والخشية منه؛ منتظما في مقام مقولة الغزالي: “طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله”. ولذلك فليس غريبا أن يرفض الراحل منصب وزير الثقافة، وهو منصب رفيع في أمة يتكاثر فيها المثقفون والمبدعون، وتتسامق فيها العربية بعد قرن وثلث من سياسات الفرنسة، التي أرّخ لها الراحل في مؤلفاته، وفصّل في جوانبها السياسية والثقافية والسوسيولوجية.. ترفع عن هذا المنصب، أو اعتذر عليه كما قال، لأنه كان يفضّل أوزار العلم والثقافة ولذتهما عن أوزار السياسة والإدارة، التي يلهث وراءها الكثيرون.
بدأ د.سعد الله حياته مبكرا بطلب العلم في قريته بالجنوب الجزائري، حيث حفظ القرآن، ثم رحل إلى الزيتونة ليواصل فيها تعليمه لمدة سبع سنوات، قبل أن يبتعث من “جمعية العلماء المسلمين” للدراسة في “كلية دار العلوم” بالقاهرة، وكانت آنذاك ساحة لتأييد الثورة الجزائرية، واستقبال رجالاتها ومناضليها وشبابها. وكان الراحل قد نشر كتاباته الأولى في صحيفة جمعية العلماء “البصائر”، التي دعم رسالتها وتبنى منهجها. وفي بداية الستينيات حصل على درجة الماجستير من جامعة القاهرة، ثم سافر إلى أمريكا ليحصل على درجة الدكتوراه من جامعة منيسوتا عن أطروحته المتميزة “الحركة الوطنية الجزائرية” التي ترجمت إلى العربية في جزأين، ثم توسع فيها حتى صارت أربعة.
كانت تلك أولى الخطوات في جهوده الرامية لإستعادة المرجعية التاريخية، وافتكاكها من قبضة الغربيين والمستشرقين، وتفنيد تفسيراتهم المغرضة. فلقد تيقن بأن الجزائريين أولى وأحق من غيرهم بكتابة تاريخهم وتفسيره وتحليله. وهو ما قاده بعد ذلك إلى الإلتفات إلى تاريخ وطنه الثقافي، الذي هو الثروة الوطنية، والمصدر الإستراتيجي المغذي للوعي والهوية، فانكب على جمعه ووصل أطرافه الموزعة بين دور العلم والعبادة والزوايا والخزانات داخل بلاده الشاسعة، ومكتبات العالم ومتاحفه ومراكزه العلمية، محققا في المخطوطات والوثائق والرسائل، باحثا في مآثر قومه وعظماء أمته حتى وفقه الله إلى إصدار كتابه المرجع “تاريخ الجزائرالثقافي” في تسعة مجلدات زاخرة، أعطت لوطنه وجودا لافتا بين الأمم. كما أصدر سفره الثمين “الحركة الوطنية الجزائرية” في أربعة أجزاء، ومؤلفه القيم “أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر” في خمسة أجزاء.. هذا إضافة إلى عدد من التحقيقات والترجمات وأدب الرحلات والكتابات الهادفة الرصينة.
تلقى الراحل عدة أوسمة وجوائز تقديرية منها “وسام المقاوم” عن دوره في الثورة الجزائرية، عام 1984، و”وسام العالم الجزائري” عام 2007، كما فاز عام 1991 بـ”جائزة ابن باديس” عن مؤلفاته القيمة في الثقافة العربية والإسلامية؛ وكانت الجائزة مبلغا مجزيا من المال بالعملة الصعبة، ومعلوم أنه كان في حاجة ماسة إليه، لكنه وفي حفلة تكريمه وتسلّمه الجائزة أعلن عن تبرعه بها لمكتبة جامعة الأمير عبد القادر، وأوصى بأن يطلق على القسم الذي تصفّ فيه الكتب المشتراة من قيمة الجائزة اسم “الإنتفاضة الفلسطينية”، فجسد بسلوكه هذا قيمة هي غاية في الرقي، يتحقق فيها قوله سبحانه “ويؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة”. وهي منزلة عليا لا يقدم عليها إلا أكابر القوم الذين يثقون بما عند الله.
والحقيقة أن الراحل لم يصل إلى تلك المنزلة إلا بعد مكابدة ومجاهدة، ومرابطة يقظة في رباط العلم، وبُعد عن الأضواء وترفع عن السفاسف.. ذلك أنه كان رجلا أمة.. مفكرا موسوعيا.. باحثا ومؤرخا ومثقفا رفيع الطراز؛ قضى في خزائن كنوز المعرفة سواد شبابه وبياض شيخوخته، ولم يفارق القلم يمناه حتى عندما طلب منه الأطباء التوقف عن الكتابة في مرضه الأخير.. فلقد كان ذلك هو فسيلته التي أراد أن يسقي بمدادها تربة الفكر قبل أن يلاقى ربه.
قابلت د. سعد الله أول مرة في أغسطس 1969 عندما حضر إلى طرابلس عضو وفد بلاده إلى “مؤتمر أدباء وكتاب المغرب العربي”، وكنت قد اخترت حينها من قبل الأستاذ علي مصطفى المصراتي، عضواً في الوفد الليبي مع الشاعرة هيام الدردنجي وثلة من الكتاب الليبيين، وكنت قد تخرجت لتوي من “كلية المعلمين العليا”، ولم يكن رصيدى سوى بعض الكتابات الصحفية والمحاولات الشعرية، أما د. سعد الله فكان شاعرا وقاصا وأستاذا جامعيا.
ومرّ زمن قبل أن نلتقي مرة أخرى في الثمانينيات في أمريكا، عندما قابله زوجي في إحدى مرافق “جامعة متشجن” فتعرف عليه ودعاه مع زوجته وابنه الوحيد أحمد إلى بيتنا، فتوثقت الصلة بيننا منذئذ على المستويين الشخصي والعلمي؛ وكنت آنذاك في صدد تجميع المادة العلمية لموضوع أطروحة الدكتوراه عن مالك بن نبي، فوجدت منه كل دعم وتشجيع، إذ زودني بكثير من المصادر والمراجع التي كان يصعب عليّ الوصول إليها لولاه. كما قام لاحقا بقراءة بعض الفصول وإبداء ملاحظاته القيمة حولها، مسجلا إعجابه بالفصل الأول من الأطروحة، الذي بينت فيه ما لحق الجزائر جراء الإستعمار الفرنسي من تحطيم لبنيتها التعليمية والإجتماعية. ولقد كان للدكتور سعد الله الفضل في ربطي ببعض القامات الجزائرية من أمثال الدكتور عبد الرزاق ڤسوم، والدكتور محمد ناصر، الذي أهداني مجلدي الشيخ طفيش عن سليمان الباروني، والدكتور العربي معيريش، الذي قام بالبحث عن حمودة الساعي صديق بن نبي فسجّل لي ذكرياته عن مالك. وبعد أكثر من عقدين، عندما أذن الله بطبع الترجمة العربية تكرم د. سعد الله بكتابة تصدير للكتاب “مالك بن نبي: عصره، حياته ونظريته في الحضارة”.
لقد ظل د. سعد الله يتردد على مكتبة جامعة متشجن كلما سنحت له الفرصة، وكلما مكنته ظروفه المادية من توفير ثمن ثلاث تذاكر له ولأسرته، فكنا نسعد به وبأسرته، حيث نقضي الساعات في مناقشة موضوعات الساعة ومنها حتما الأوضاع في الجزائر وليبيا، أيام نكبتها الأخيرة. وكان الراحل يبدأ يومه بالذهاب إلى مكتبة الجامعة فيعتكف كالراهب المتبتل في ردهاتها وبين رفوفها وقاعاتها، باحثا عن تاريخ بلده وجذور أمته، ولا يفارقها حتى تقفل أبوابها في أماسي الصيف الطويلة، فيعود إلى بيته ليراجع “لوح” القرآن الذي جاء به من الجزائر ليكتب فيه أحمد سورة بعينها أو آيات يكون والده قد حددها له، فيسمعه ما حفظ، قبل أن يستعد لغيرها في اليوم التالي. وكانت حفصة، أم أحمد، الزوجة الصبور، والقارئة النهمة، المطلعة على جهود زوجها والمثمنة له ولها، خير داعم له ولكل المشاريع الكبيرة التي صرف فيها جلّ وقته وعصارة عمره.
ماذا عساني أن أكتب عن هذه القامة السامقة، وأنا التي عاصرتها وجالستها وقرأت لها وتراسلت معها فإذا بي عاجزة عن الإلمام ولو بجزء يسير من علمها ومعارفها وهمتها التي قدّت من الصخر مآثر، وفتحت للأفكار معابر.. وتمسكت بالأصالة والانتماء فكانت كالطود في محيط الرياح العاصفة؟ حسبي الآن هذا الإقتراب الوجل من عالمه المهيب، وهذا الإحتفاء الحزين بانتقاله إلى رحاب الرحيم الودود الشكور، ليحبوه ويكرمه.
إن لي معه مراسلات وفي أدراجي ببلاد الإغتراب عددا من الخطابات بخطه المنمنم، تضم أفكاره واقتراحاته، وومضات من وجدانه المرهف في ظروف مختلفة من تاريخ الأمة، لعلني أتفرغ لها يوما لأضيف لتاريخ هذا الرجل العظيم، الذي أصبح الآن صفحة نورانية من تاريخ الجزائر الثقافي الذي كان أول من ارتاد متاهاته ونظم سجلاته.
رحم الله شيخ المؤرخين وقدوة الباحثين، وعوض الله الجزائر والعرب والمسلمين فيه خيرا، ووفق ابناءه وتلاميذه للإقتداء به والسير على طريقه.. وعزاء محبيه أنه وإن انتقل بجسده، فهو باق بآثاره ومؤلفاته وأسفاره، وبما جسده من خلق وتواضع ونزاهة وترفع عن زخرف الحياة الفانية.
جمعنا الله به في جنان الفردوس مع الشهداء والعلماء والأولياء.. وحسن أولئك رفيقا.
(*) الأمينة العامة للجنة الليبية للتربية والثقافة والعلوم