سقوط أسطورة “الكيان الصهيوني الآمن”
بعيدا عن مشاهد التعاطف الشعبي العربي الطبيعي مع الأهل في غزة، فإن المشهد يملي علينا الوقوف عند الجديد في هذه المواجهة غير المتكافئة، بين كيان ساعده الغرب على امتلاك ثالث جيش في العالم، ومقاومة محاصرة منذ أكثر من عقد داخل قطاع غزة، قد توزع جهدها بين الاستجابة لحاجيات مليون ونصف مليون فلسطيني محاصر، وبين متطلبات الوظيفة الأولى للمقاومة، ومنها الحفاظ على قدر من التوازن العسكري الذي منع حتى الآن الكيان الصهيوني من الاجتياح وتصفية المقاومة كما تحلم قيادته النازية.
المرجفون المشككون في قدرة الشعوب على المقاومة يسارعون إلى الاحتجاج بحصيلة الضحايا في صفوف أهالي غزة، وقد بلغ عددهم حتى الآن 135 شهيد أغلبهم من الأطفال والنساء، وهم في الجملة من المدنيين قد أقبرتهم أطنان من الصواريخ التي أطلقتها عن بعد 1160 غارة جوية على الآمنين في بيوتهم، في سلوك بربري غير مسبوق كان يعافه حتى النازيون، ويركن المرجفون إلى التقارير الصهيونية الكاذبة التي ادعت أن الصواريخ الـ 690 التي طالت معظم مدن فلسطين المحتلة والضفة، ادعت أنها لم تخلف حتى الآن أي قتيل.
وحتى مع تصديق بيانات الكيان الصهيوني، التي عهدنا كذبها في مواجهات سابقة مع المقاومة، فإن الحروب لا تقاس فقط بعدد القتلى، وإلا كانت ألمانيا النازية قد كسبت الحرب العالمية مرة ومرتين، بالنظر إلى ما ألحقته آلتها الحربية بخصومها، منهم عشرون مليون روسي، وضعفهم أو يزيد من دول الحفاء، وبالمقارنة تكون فرنسا قد كسبت “حرب التحرير” لأن تقاريرها تدعي أن ما قتل من عسكر فرنسا طوال سبع سنوات ونصف لم يزد عن 54000 قتيل مقابل أكثر من مليون شهيد من الشعب الجزائري.
لكن الحقيقة الثابتة، أن القاتل النازي قد هزم رغم فداحة مجازره، كما هزم المحتل الفرنسي رغم اختلال موازين القوة، وهزم الأمريكان في فيتنام والعراق، وهزم السوفييت في أفغانستان، وهذا ما يدركه الكيان الصهيوني وحلفاؤه الغربيون، ولأجل ذلك أنفقوا ما أنفقوا من جهد من أجل إحكام الحصار على غزة، ومنع المقاومة من بناء وتجديد وتطوير قدراتها العسكرية، حصار شارك فيه العرب بكفاءة، وعلى رأسهم مصر: المنفذ الوحيد لغزة.
المرجفون من الطابور الخامس لا يريدون للشعب الفلسطيني وللعرب الالتفات إلى تداعيات وصول صواريخ المقاومة إلى معظم مدن فلسطين المحتلة، ومنها تل أبيب ومطار بن غوريون، فهي في الحد الأدنى تربك الحياة الاقتصادية للكيان، وتشل حركة الطيران المدني، والأخطر من ذلك أنها حرمت الكيان بلا رجعة من التسويق لأسطورة “إسرائيل الحصن الآمن” التي تحطمت من قبل على يد حزب الله، ونرى اليوم المقاومة الفلسطينية تنهيها بلا رجعة.
بقي على المقاومة الفلسطينية أن تعيد إحياء الانتفاضة في ربوع الضفة وفلسطين المحتلة، وتوقف أي تعامل إداري أو أمني مع الكيان، وتهجر طاولة المفاوضات المغشوشة حتى يقتنع الكيان والمجموعة الدولية، أنه لا حل خارج إعادة الحق لأصحابه بإنهاء الاحتلال، وإعادة تكريس حق العودة الذي يعني نهاية الكيان الصهيوني المصطنع.