سقوط إمبرطوريات “الحلابة” بسبب ارتفاع أسعار الوقود
خلال إطلالته الأخيرة على ولاية تبسة، منذ عشرة أيام، أكد وزير الداخلية والجماعات المحلية، نور الدين بدوين في لقائه بأعضاء اللجنة الأمنية الولائية لمكافحة ظاهرة التهريب، بمقر المراقبة البرّي برأس العيون ببلدية الكويف، التابع لفرقة شرطة الحدود البرية، بأن التعزيزات الأمنية على مستوى الشريط الحدودي لولاية تبسة، أتت بثمارها، بعد أن وضعت الحكومة ظاهرتي التهريب والإرهاب في نفس المستوى، فتطلّب الأمر التنسيق مع جميع المصالح الأمنية، كل من موقعه، لتشديد الخناق على المهربين والمجرمين، ومنع أي اختراق للحدود من أجل الحفاظ على الاستقرار.
وأكد الوزير بأن التهريب كلّف الخزينة أموالا باهظة، بلغت قيمتها المالية 3 ملايير دولار، رقم ترجم – كما قال الوزير – بالفعل نزيف الاقتصاد الوطني، وضرب حركة التنمية المحلية، وتطلّب نسج إستراتيجية أمنية مخطط لها، لكسر دابر التهريب والقضاء على الجريمة المنظمة بكل أنواعها .
وبخصوص العمل المشترك قال وزير الداخلية، بأن هناك تنسيقا يوميا مستمرا بين القيادات العسكرية التونسية والجزائرية، سواء في المركزية أو على مستوى الجهات الحدودية، من خلال توحيد المعلومات والبيانات الأمنية، سيما وأنه تم إطلاق غرفة عمليات مشتركة بين قيادات البلدين لمراقبة الإقليم، وتأمين الشريط الحدودي، لإحباط كل التهديدات والنشاطات الإجرامية، وتحرك التونسيين ساهم أيضا في ضرب شوكة المهربين، خاصة أن القوانين الأخيرة، والتي سًميت بالصارمة جدا، والعتاد المتطوّر الذي وفّرته مصالح الدرك الوطني، من كاميرات حرارية تراقب الحدود وطائرات عمودية، من أجل القضاء على كارثة التهريب، لم تعط كل النتائج المرجوة، خاصة عبر الحدود الشرقية التي هرّبت حقول نفط كاملة نحو تونس في السنوات الأخيرة، بدليل تمكّن أباطرة التهريب من السيطرة بالكامل على الحدود الشرقية، خاصة في الفترة الفاصلة، ما بين 2010 و2014، حيث نمت دولة كاملة بشعبها من التهريب، وبتهريب الوقود عبر كل الحدود البرية الجزائرية.
مناورات الدرك أربكت المهربين بتبسة
وشهدت ولاية تبسة، مؤخرا، تمارين أربكت رفعة أدائها المهربين، على مستوى خط الشريط الحدودي، على حدود بلدية أم علي، تحت قيادة مناد نوبة قائد الدرك الوطني، وشارك في المناورة دركيون تحت مظلة طائرات هيليكوبتر، محاطين بمجموعة من حرس الحدود، تم التركيز فيها على كيفية متابعة مجموعة إجرامية تتسلل عبر الجبال، من مراقبتهم إلى إحباط محاولات تسللهم إلى عمق التراب الوطني، إلى غاية شل حركتهم، كما تم تدشين سريتين لحرس الحدود للدرك الوطني الأولى، ببلدية الحويجبات، والثانية على مستوى منطقة بوشبكة الحدودية، وذلك لتعزيز الرقابة الأمنية على الحدود البرية الشرقية.
وتم التأكيد على تشديد الرقابة على الشريط الحدودي، ليلا ونهارا، من أجل تشديد الخناق على المجرمين ومكافحة الجريمة المنظمة، وعلى رأسها التهريب الذي طعن البلاد، وأفقرها في زمن بحبوحتها المالية، مع تطبيق القوانين الصارمة السابقة، والتي تصل إلى غاية عشر سنوات سجنا نافذة للمهرب ضمن الجرائم الاقتصادية، وهذا ما جعل المهربين يقتنعون بضرورة رفع الراية البيضاء بصفة نهائية، خاصة أن هامش الربح في عمليات بيع البنزين والمازوت للتونسيين تقلص بشكل مريع، مع دخول قانون المالية الجديد 2016 حيز التنفيذ، فصارت المغامرة من أجل ربح قليل سواء للبائع الجزائري أو المشتري التونسي من دون جدوى، فتحجّم دور المهربين، في الأيام الأخيرة، وهم الذين لم يلتفتوا إطلاقا لتهديدات وزارة المحروقات، وواليي ولايتي تبسة وتلمسان في الأشهر الماضية، عندما هددّا بسحب رخص الاستغلال لأصحاب محطات الوقود، في حالة عدم تعاملهم مع المواطنين، والاكتفاء ببيع الوقود للحلابة فقط، وقدّرت بعض الإحصاءات غير الرسمية أن ما لا يقل عن نصف مليون جزائري عبر مختلف الحدود من الجنوب والشرق والغرب يعيشون ويسترزقون من آفة التهريب، التي أخذت أبعادا في منتهى الخطورة، عندما أصبحت أمرا واقعا، ولا يجد ممتهنها أي حرج في تقديم نفسه باسم مهرّب كبير أو خبير في التهريب، حيث تجذّر التهريب في قلب تونس والمغرب، وصار له شعب مواز للموجود هنا في الجزائر، ضمن ما يُشبه وحدة أقامت لنفسها دولة وشعبا موازيا، حتى في مالي والنيجر وموريتانيا.
المهربون يعيشون بلا هوية
وشعر التبسيون والتلمسانيون في الأيام الأخيرة مع بداية جانفي 2016 ببداية سقوط إمبراطوريات التهريب، وبدأت تنكشف للعيان الكثير من أسرارهم، ومنها كون بعض المهربين يعيشون من دون هوية، حيث يقوم بعض كبار المهربين بعدم تسجيل أبنائهم لدى مصالح الحماية المدنية، كما غيّر آخرون أسماءهم وزمان ومكان ولادتهم، ومسحوا أنفسهم من السجلات المدنية، حتى لا تتم متابعتهم، مع تورّط موظفين بالحالة المدنية، وغالبيتهم لا يمتلكون بطاقة، وهو ما جعل التعامل معهم معقدا جدا، لأنهم غير موجودين مدنيا، رغم أن بعضهم أصحاب مؤسسات كبرى مبنية على تهريب المحروقات باسم بناتهم وزوجاتهم، ويمتلكون العشرات من السيارات من آخر طراز، وشاحنات يبلغ سعرها الثلاثة ملايير أو أكثر، يعتمد عليها في تخزين البنزين والمازوت.
وإلى غاية تطبيق قانون المالية الجديد، لم تكن الأحوال الأمنية التي ميزت جبال الشعانبي التونسية المحاذية للجزائر، والوضع الأمني الذي تدهور لدى جيراننا في ليبيا وتونس ومالي، ليثني هؤلاء المهربين، وولاية تبسة وحتى تلمسان تضاعف عدد سكانهما، بعد أن نزح إليهما عشرات الآلاف من كل مناطق الوطن، وكأنهما إماراتان خليجيتان تسبحان في النفط، تضخ لهما وزارة الطاقة عبر القطارات عشرات أضعاف ما تستهلكه مدينة بحجم الجزائر العاصمة، أو وهران أو قسنطينة، دون أن تفتح هاته المحطات خراطيمها لسيارات المواطنين، الذين صاروا يحرمون من البنزين والمازوت، والمهرّب يسافر أمام أعينهم إلى المغرب، وإلى تونس، خاصة عبر الطريق المؤدي نحو تونس والممتد على مسافة تقارب 300 كلم عرضا، ما يجعل التهريب عبر تبسة الأسهل على مستوى الحدود الجزائرية، وكل أغنياء تبسة ووجهائها من مهربي الوقود، وكانوا يساهمون حتى في دفع المترشحين للمجلس الشعبي الوطني ووضع رؤساء قوائم كل الأحزاب والأحرار.
أما عن المجالس البلدية والولائية، فقد بلغ بهم الحد تعيين رؤساء البلديات خاصة الحدودية منها، وبلغ رتبة مير بعض المهربين الكبار، ويعرفهم أهل تبسة ويصمتون، وبدرجة أقل في ولايتي سوق اهراس والطارف، وفي الحدود الغربية بولاية تلمسان، حيث توقف النشاط الفلاحي والصناعي والخدماتي وغيره نهائيا منذ عام 2011، وفي بئر العاتر وفي تبسة، تشاهد قصورا لا يمكن أن ترى مثيلا لها حتى في دول أوروبية، وهي أشبه بالحصون، لا أحد سأل أصحابها من أين لكم هاته الكنوز؟، وبعد أن لاحت فعلا تباشير سقوط هاته الإمبراطوريات، اعتزل غالبية كبار المهربين، أو ربما دخلوا في استراحة محارب.. ولكنهم جميعا برتبة “ملياردير”.