سكاكين سحرية للعلاج من جميع الأمراض بالكي
مرّر سكينا ساخنا في خفة على وجهها.. وبحركة خاطفة مسح به شعرها، جبينها ورقبتها، ولم يترك آثار حروق الكيّ على بشرتها ثم قال لها في الأخير”بالبركة”.. واحدة من بين مجموعة من النسوة غصت بهن الغرفة، كن في انتظار دورهن بلهفة بالغة أملا في الشفاء من أمراض عجز الطب الحديث عن علاجها!
التهاب الكبد الفيروسي أو ما يعرف بـ”بوصفاير”، “عرق لاسا”، الصرع، الشقيقة، والخلعة، أورام جلدية، اشتكى منها إلى جانبهن، رجال كانوا هم أيضا ينتظرون في جهة مجاورة، الدور على “لقطيع”، وبعيدا عن تكاليف الكشف الطبي بالأشعة والسكانير، والعلاج بالأدوية، كان يكفي عليهم سحب ورقة 200دج من جيوبهم مقابل علاج هذه الأمراض بمنجل ساخن أو سكين أو قضيب حديدي يسخن على نار أو بنبات الصبار والثوم.
طوابير عادت بقوة إلى محترفي التداوي بالطب البديل وما يسمى عند العوام بـ “لقطيع” في ظل تدني المعيشة وغلاء تكاليف الكشف الطبي والأدوية، هذه الطريقة التقليدية في التداوي، وإن لم تنقطع شعبيتها يوما حتى مع تطوّر الطب الحديث، تمكنت من استقطاب النساء والرجال، من البسطاء والمثقفين على حد سواء.
هذه أسرار العلاج ومشاكل المرضى
كانت الساعة الواحدة زوالا، عندما دخلنا محل محمد بتقصراين، ببئر مراد رايس بالعاصمة، الأشبه بمستودع كبير قسم بحاجز خشبي ليفصل بين النساء والرجال، جاؤوا إليه “ليقطع” عنهم أمراضا عجز الأطباء عن علاجها، الكل ينتظر دوره هنا، وكأن الأمر يتعلق بعيادة طبية.
قدموا من ولايات مختلفة، بعضهم اصطحبوا أولادهم، وبشيء من الاعتقاد الزائد بحتمية الشفاء، لم يرغب أي واحد في أن يتم تجاهله وأخذ دوره.
ولأن النساء كن أكثر عددا، لجأ محمد لمساعدة أخته التي كانت تقوم بتسخين عصي حديدية قصيرة على الفرن”الطابونة”، وتبدأ في عملية الكيّ على مناطق الألم وبخفة بارعة تمرر القضيب الحديدي الساخن على ظهور المريضات أو على سيقانهن وركبهن.
“لكل مرض طريقة علاجه، ولكن يبقى الكيّ بالقضيب الساخن أو السكين أهم الطرق” قال محمد صاحب الـ55سنة، وهو لا يتوقف على كيّ المريضة بحركة ساحرة خاطفة، حيث أكد أنه توارث “لقطيع” من عائلته إذ يعتبر الفرد السادس من محترفي طريقة التداوي هذه.
يضع قطع الصبار الساخن تحت رجل المريض ويقوم بكيّ مكان الألم وهي خير طريقة لعلاج “عرق لاسا”، والبوصفاير والأمراض الجلدية مع استعمال الثوم في مواضع معينة من الجسم.
العين والتابعة والخلعة.. وتهافت للتخلص منها بالقطيع
“جئت من بومرداس، إلى هنا بعد أن سمعت بتجربة الكثيرات ممن أعرفهن..لقد قصدنه للتخلص من النحس والعين وكانت النتيجة ايجابية معهن” هذا ما قالته سيدة كانت برفقة ابنتها وهي تلميذة في الابتدائي، حيث تعتقد أن “لقطيع” سيبعد عنها وعن ابنتها العين التي طالما، حسبها، طاردتها ونغّصت صفو حياتها.
لقد اصطحبت بعض زبوناته أولادهن، بينهم رضع يعانون من ما يسمى عند الطبقة الشعبية الجزائرية بـ”جداته”، وهي حالة من الهزال والقيء ولا يوجد علاج لها حسب سيدة جاءت من البليدة سوى “لقطيع”.
الخلعة هي حالة نفسية اضطرابية، تهافت للعلاج منها رجال ونساء واصطحبوا أولادهم معهم، حيث يعتبر الكيّ في مناطق من الجسم وسيلة لعلاجها، والتخلص “العين” و”التابعة”، هذا الاعتقاد أعاد شهرة وانتشار “لقطيع”.
التضليل بلمسة دينية في غياب الوعي الصحي
وعن انتشار عيادات “لقطيع” في الكثير من المدن الجزائرية الساحلية بعد أن كانت ولايات داخلية تتميز به، يقول البروفسور خياطي إن الهيئة الوطنية لترقية الصحة وتطوير البحث العلمي “فورام”، كانت قد قامت بدراسة ميدانية حول العلاج بـ “لقطيع” والشعوذة في الجزائر، وتبيّن لها أن الكثير من ممارسي هذا النشاط يقومون بتضليل الجزائريين البسطاء وحتى المثقفين بأحاديث نبوية أو بقصص وممارسات ينسبونها للنبي لتعزيز نشاطهم. وأوضح أن الكيّ عن طريق النار وقطعة معدنية يعتقد الكثير أنها طريقة علاج ناجحة لأن الرسول كان يلجأ إليها، وهذا، يضيف، جعل “لقطيع” يحظى بشعبية رغم تطوّر الطب الحديث.
وأكد رئيس هيئة “الفورام” خياطي، أن وزارة الصحة لم تقم بنشر الوعي الصحي بين الجزائريين، حيث غابت عنها ميكانيزمات ترسيخ ثقافة صحية راقية، ودعا عمادة الأطباء لإعداد تقارير حول ممارسات طبية غير شرعية وغير معتمدة عرفت في ظل الأزمة وغلاء المعيشة، انتشارا واسعا.
بقاط: فوضى العلاج وندرة الأدوية وراء البحث عن “لقطيع”
أرجع رئيس عمادة الأطباء، محمد بقاط بركاني، أسباب عودة ظاهرة “لقطيع” كوسيلة شعبية للتداوي، إلى ندرة الأدوية الخاصة ببعض الأمراض، وفشل القطاع العمومي الصحي في علاج المرضى وعدم إعطائهم فرص متكافئة في الكشف الطبي والمتابعة لبعض الأمراض المستعصية، إلى جانب غلاء تكلفة التطبيب عند الخواص، حيث مع سياسة التقشف، حسبه، فرّ الكثير من المرضى إلى طرق تداوي تقليدية لا تكلّف الوقت والمال وأكثرها “لقطيع”.
..والظاهرة تنذر بانتشار أمراض معدية
وحذر الدكتور بقاط، من أمراض معدية، تنفسية وجلدية، أو فيروسية قد يتسبب في نشرها التداوي بالقطيع، إذ قال إن بعض ممارسي هذه الطريقة يقومون بالبصق في فم المريض، أو باستعمال خيط لبتر ورم خارجي أو إحداث جروح بسكين أو إبر على جسم المريض في ظروف غير صحية، وقال إن مثل هذه الطرق في العلاج قد تؤدي إلى تضييع وقت شخص مصاب بداء خطير عن الكشف عليه.
وقال إن التداوي بالقطيع مخالف للنظام العام، وهي وسيلة غير شرعية ونشاط غير مرخص به يعاقب عليه القانون الجزائري.
الشفاء بـ”القطيع” .. صدفة وليس حتمي
وحسب الدكتور محمد بقاط بركاني، فإن التداوي بالقطيع تكون نتيجته إيجابية في حالة بعض الأمراض الحليمة التي تبرأ لوحدها، مثل الالتهاب الكبدي الذي لا يصل لمرحلة متقدمة، أو بعض الآلام الخفيفة.
ويرى أستاذ علم النفس، الدكتور مسعود بن حليمة، أن الصدفة ويقصد بها الشفاء التلقائي يتصادف أحيانا مع التداوي بالقطيع، وهو ما يجعل المريض يظن أن هذا الأخير أنجع علاج، مضيفا أن الاعتقاد بالشيء يعطي شعورا بالتفاؤل وبالتالي تستقر الآليات الدفاعية فيصبح النظام البيولوجي منتظما.
كما أكد أن القطيع يلعب دورا في العلاج النفسي من خلال الشعور بالراحة والطمأنينة والثقة والأمل في الشفاء.