سكان الجنوب يستغيثون.. نحن نعيش في “جحيم”!
تشهد ولايات الجنوب هذه الأيام ارتفاعا قياسيا لدرجات الحرارة حوّلت حياة السكان إلى جحيم، في ظل غياب المتنزهات والمسابح وانقطاع التيار الكهربائي ، ما حوّل المساكن إلى شبه أفران يعاني فيها المسنون والمرضى والأطفال الويلات، والأحسن حظا من السكان من توفرت لهم الإمكانيات لقضاء العطلة في الولايات الشمالية أو تونس، فيما يواجه السواد الأعظم أياما ملتهبة ليلها نهار ونهارها ليل…
تأخير صلاة الظهر.. النوم في الدهاليز والعمل قبل شروق الشمس
هكذا يقضي أبناء الجنوب أوقاتهم في فصل الصيف
قضي معظم سكان ولايات الجنوب أوقاتهم في فصل الصيف، بشكل يتأقلم مع حياة الإنسان في ظل ارتفاع كبير لدرجات الحرارة، التي تجاوزت في بعض المناطق 54 درجة مئوية، حيث يفضّل الكثير من العمال والتجار والحرفيين والخواص بداية نشاطهم في الصباح الباكر قبل طلوع الشمس، حتى يقوموا بإنجاز أعمالهم قبل أن تشتد الحرارة في منتصف النهار.
وتقل وتشل في كثير من الأحيان الحركة بعد الزوال في أغلب مناطق الجنوب، فتكون المحلات التجارية مغلقة، لأن السكان في هذا الوقت يحتمون من لفح الشمس الحارقة في مناطق الظل، وفي أماكن مزودة بالمكيفات الهوائية، التي أضحت ضرورية بعد أن كانت في وقت مضى من الكماليات، حيث يستغل المواطنون القيلولة للنوم، في الطوابق تحت الأرض “الدهاليز”، وتتوقف الحركة أو تتراجع إلى غاية بعد العصر أي في حدود الخامسة مساء، حيث تبدأ درجات الحرارة في التناقص، ويخصص العديد من أبناء الجنوب أماسي الصيف للتنزه في الواحات والبساتين، التي تكون أكثر برودة من المناطق العمرانية، لا سيما للاستمتاع بالسباحة في الأحواض المخصصة للسقي الزراعي.
وأمام هذا الوضع توجد مساجد تؤخر أداء صلاة الظهر إلى حوالي ساعة قبل أذان العصر، كما تبرمج الجنائز في مختلف المناطق بعد الفجر، حتى لا يُؤذى الناس بالحرارة، وتنتعش الحياة في الفترة الليلية بسهرات العائلات أو الأصدقاء، أو بالتوجه إلى الساحات العمومية والمرافق الترفيهية، بحيث يكون النوم عادة في أسطح المنازل وأمامها لالتقاط نسمات باردة، وإن كانت ليلة ساخنة يكون النوم في أماكن مُكيّفة.
حرارة قياسية وانعدام الكهرباء ومساحات الترفيه
ورقلة..هنا تنتهي الحياة في الصيف
يُكابد سكان ورقلة في مختلف البلديات، معاناة مريرة في يومياتهم، حيث تعرف كل القطاعات بالولاية نقصا فادحا في الخدمات، فضلا عن انعدامها في الكثير من المناطق خصوصا البعيدة عن عاصمة الولاية الحدودية، وقد ضاعفت الزيادة الرهيبة في درجات الحرارة هذه الصائفة، من مشقة تنقل المواطنين وقضاء مصالحهم.
زاد التذبذب الفاضح في وسائل النقل بالولاية، من تأزم الوضع المعقد أصلا، حيث ينتظر المواطنون في عدة مناطق ساعات طوال للظفر بمقعد في إحدى الحافلات، التي تفتقد بدورها لأدنى شروط الراحة والأمان، فمعظمها ينعدم فيها التكييف، فضلا عن المعاملة السيئة من بعض القابضين، زد عليه انعدام المواقف المغطاة التي يستظل تحتها المسافرون، مثل ما هو عليه موقف ساحة الأروقة القديمة.
وساهمت الانقطاعات المستمرة في الكهرباء، وضعف التيار في الكثير من بلديات الولاية، في تعقيد معيشة السكان، وتحويلها إلى صور مأساوية، خاصة في البيوت التي تحوي أطفالا رضعا وشيوخا وكذا مرضى، ضف إليه، تسبب النقص في التيار الكهربائي في أضرار فادحة لسكان المنطقة، في ظل الارتفاع الرهيب لدرجات الحرارة في الأيام الأخيرة.
ورغم المراسلات العديدة التي قام بها السكان للسلطات المحلية، من أجل تدعيم شبكات الكهرباء، إلا أن الإنجازات تبقى شحيحة.
كما زاد نقص المرافق الترفيهية من صعوبة الحياة بالولاية، حيث تنعدم أماكن للترفيه لكي يقصدها العائلات للترويح عن أنفسهم، وقضاء وقت رفقة أبنائهم للتقليل من وهج الحرارة الشديد التي تعرفها الولاية وولايات الجنوب عموما.
الحرارة تدفع السكان للهروب إلى تونس والمدن الشمالية
المكيفات والمسابح والأعراس ممنوعة في الوادي
تكاد لا تختلف حياة المواطنين في أغلب مدن وقرى ولايات الجنوب، في التعامل مع الدرجات القياسية في الحرارة، التي تجتاح المنطقة خلال هذه الأيام، والتي فاقت الـ 50 درجة مأوية، مما دفع بالسلطات المحلية إلى تسخير القوة العمومية من أجل منع العمال من مواصلة العمل في ورشات البناء والأشغال العمومية، بالأخص في أوقات الذروة.
ونظرا لنقص مرافق الترفيه ووسائل التبريد، على غرار ضعف تزويد المواطنين بالتيار الكهربائي اللازمة لتشغيل المكيفات الهوائية، وقلة المسابح العمومية المراقبة، وكذا انعدام أماكن التسلية والمُدن المائية، يجعل المواطنين مُضطرين لمغادرة مساكنهم، إما باتجاه الجارة تونسن كما هو الحال بالنسبة للكثير من سكان ولاية الوادي الواقعة على الحدود، أو التنقل لولايات الشمال للاستمتاع بزرقة البحر والسباحة فيه، وكذا عذوبة المياه والمناخ الرطب.
دفن الأموات بعد العشاء وتأجيل مراسيم الزواج
وأمام ارتفاع درجات الحرارة الشديدة، يلجأ المواطنون في كل من الوادي وإيليزي وتمنراست، إلى تأجيل دفن الأموات بعد صلاة العشاء، وكذا تأجيل مراسيم الزواج والحفلات السعيدة، لأيام يكون الجو فيها باردا نوعا ما، كما نصحت مديرية الصحة والسكان بتمنراست في وقت سابق، كل من المسنين والأطفال الصغار وأصحاب الأمراض المزمنة، بعدم الخروج بعد الساعة العاشرة، بالأخص في الأيام التي تعرف ارتفاعا قياسيا لدرجات الحرارة، فيما تكاد مدن وقرى ولاية إيليزي، أن تكون خالية على عروشها، بسبب إغلاق الكثير من المطاعم والمقاهي ومغادرة أصحاب المحلات لدكاكينهم والتوجه إلى مدنهم هروبا من الحرارة، ما يجعل الولاية شبه خالية، أما ولاية الوادي، فتكاد تكون الحياة شبه معدومة بسبب حضر التجوّل الذي تفرضه درجات الحرارة، التي احتلت الولاية المرتبة الأولى على الصعيد العالمي، حسب أحد المواقع الخاص بالأرصاد الجوية في العالم.
ويعمد الكثير من المواطنين إلى وضع مضلات على رؤوسهم بعد تبليلها بالماء، في حال اضطرارهم للخروج في فترة القيلولة، فيما يلجأ أخرون ممن لا تشتغل مُبردات الجو والمكيفات الهوائية لديهم، بسبب ضعف التيار الكهربائي، إلى استعمال الطرق التقليدية لمواجهة حرارة الجو، وذلك بالاحتماء بواحات النخيل والمزارع، أين يتوجهون إلى أحواض السقي والاستحمام على الهواء الطلق ومحاولة النوم في أماكن بها الظل ولا تصلها أشعة الشمس، إلى غاية نهاية اليوم، حين تنقص درجات الحرارة، وعندها تعود الحياة إلى طبيعتها وسابق عهدها.