سلال يطوي صفحة الماضي الاستعماري!
لمح الوزير الأول عبد المالك سلال، إلى طي صفحة النقاش نهائيا حول الماضي الاستعماري لفرنسا في الجزائر، مفضلا استعمال “الملفات المتعلقة بالذاكرة”، على حساب “الماضي الاستعماري” المثقل بالجرائم.
وقال سلال في الندوة الصحفية التي عقدها بباريس رفقة نظيره الفرنسي، مانويل فالس، إن “الرؤية التي نتقاسمها في الجزائر وفرنسا والمتمثلة في فتح كل الملفات الثنائية سواء كانت اقتصادية أو ثقافية أو مرتبطة بذاكرتنا المشتركة، قد سمحت بتبديد حالات سوء الفهم وتوفير جو من الثقة الذي أصبح يشكل قاعدة لحوارنا السياسي”.
وكلمة “الذاكرة” مصطلح فرنسي يشير للماضي التاريخي، وهو أسلوب فيه من التهرّب من المسؤولية، كونه يتجاهل المآسي والجرائم التي سببتها وحشيته الاستعمار للجزائريين ولجميع الشعوب المستعمرة، وقد استعمل المشرّع الفرنسي كلمة “الاستعمار” في حالات نادرة، من بينها قانون 23 فيفري 2005، لأن هذا القانون جاء ليمجّد “الممارسات الايجابية للاستعمار الفرنسي”.
وبدا واضحا من كلام الوزير الأول، أن الجزائر باتت تولي الأهمية الأكبر للمعطى الاقتصادي في علاقاتها مع فرنسا، وعدم رهنها بالبعد المتعلق بالماضي الاستعماري، الذي لازال يشكل جرحا لم يندمل، لدى عموم الجزائريين، بسبب جرائم الاستعمار التي امتدت على مدار ما يناهز قرنا و32 سنة، وهو توجه ترسخ منذ وصول الرئيس بوتفليقة إلى سدة الرئاسة في عام 1999.
ويتضح هذا المنحى بجلاء في كلام الوزير الأول عندما قال إن “التدابير التي اتخذتها الجزائر وفرنسا من اجل ترقية الشراكة الاقتصادية والمبادلات التجارية قد بدأت تؤتي ثمارها”، وكان يشير هنا إلى مصنع “رونو” للسيارات الذي دشن الشهر المنصرم بوادي تليلات بالقرب من وهران وأثمر بروز أول سيارة من صنع جزائري، شراكة يأمل راسموها في أن تتوسع لتشمل قطاعات أخرى مثل الفلاحة والطاقة والسياحة.. على حد تعبير عبد الملك سلال.
وخلال العهدة الأولى للرئيس بوتفليقة، عاشت العلاقات الجزائرية الفرنسية على وقع تيارين متجاذبين، الأول يربط بين تطبيع العلاقات مع باريس باعتراف المستعمرة السابقة بجرائمها في الجزائر، في حين يرفض التيار الثاني، الذي يقوده الرئيس بوتفليقة، رهن العلاقات الثنائية بمآسي الماضي، انطلاقا من اعتقاد مفاده أن ذلك من شأنه أن يفوت على البلاد فرصة الاستفادة من التكنولوجيا الفرنسية وغيرها من المزايا.
وتجلّى هذا التجاذب بشكل لافت في عام 2005 عندما سنّ البرلمان الفرنسي قانونا يمجّد الاستعمار، قانون أدخل العلاقات الثنائية الثلاجة، وقد حاول يومها الفريق الداعي لتصفية تركة الماضي، الرد على الفرنسيين بقانون يجرم ممارسات الاستعمار الفرنسي، غير أن الرئيس بوتفليقة وقف بالمرصاد لهذا المشروع، وتم وأده في أكثر من مرة بالرغم من الدعم الكبير الذي حظي به من قبل نواب الشعب، الذين قارب عددهم ثلثي الغرفة السفلى للبرلمان.
ومنذ ذلك الحين، اختفى الحديث عن تجريم الاستعمار من المشهد السياسي تقريبا إلا على ألسنة بعض “الساسة المتمردين”، فيما احتلت أخبار حصول الشركات الفرنسية على الصفقات والمشاريع بالجزائر، الواجهة تجسيدا لانتصار توجه يقول أصحابه إنه “براغماتي” يحافظ على مصالح البلاد، وشعارهم في ذلك “التشبث بالماضي قد لا يصنع المستقبل”.