سوناطراك جف ضرعها وسونلغاز ترفض الشهادات وأعوان الأمن مسؤولون فوق العادة
تعد معضلة البطالة المشكلة الأساسية التي تؤرق الشباب الجزائري وتقض مضجعهم، بل وتحرمهم من النوم، فقد بلغت نسبة البطالة 9,7 بالمائة نهاية سنة 2012 حسب تقارير رسمية، إلا أن هذا الرقم لا يعكس النسبة الحقيقة على أرض الواقع لأزمة يتخبط فيها الكل منذ سنين عديدة. ولأن البحث عن عمل لا يضاهيه في الوصف سوى البحث عن ابرة وسط كومة قش، قررت “الشروق” خوض التجربة على أرض الواقع، حيث انتحلنا صفة جامعية متحصلة على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والاتصال متخرجة حديثا من الجامعة وبحاجة للوظيفة. لتبدأ معاناة لطالما سمعنا عنها الكثير، غير أن ما شاهدناه وعشناه كان مختلفا بكثير.
أضحى الفوز بمنصب عمل حدثا سعيدا تترقبه جل العائلات الجزائرية بشغف وشوق كبيرين فلأجله تقام الوعدات، الزردات وتنذر النذور وتعلن الاحتفالات لأسابيع عديدة، فالجميع على علم بأزمة البطالة الخانقة التي يعيشها الشعب بمختلف فئاته والشباب من خريجي الجامعات على وجه الخصوص. وضعنا مخططا لمهمتنا بعد أن عاينا مواقع عدة شركات عمومية لها وزنها في الساحة والاقتصاد الوطني، واخترنا الأقرب منا، والتي تقع في ضواحي حسين داي، بلوزداد والقبة، ثم حضرنا عدة نسخ من السيرة الذاتية، بالإضافة الى المؤسسات الوطنية، أضفنا في جولتنا مجموعة من المحلات الخاصة والمطاعم، وفيها بحثنا أيضا عن عمل لكثرة ما سمعناه من مضايقات وتحرشات جنسية.
.
نفطال .. “من لا وساطة له لا وظيفة له”
وصلنا الى مقر مؤسسة “نفطال” بالخروبة التابعة لمؤسسة “سونطراك” في حدود الساعة الواحدة وعشرين دقيقة، سألنا عون الأمن عن وجهتنا فأجبناه بأننا نريد مقابلة مدير الموارد البشرية في المؤسسة فسمح لنا، وفي الاستقبال سلمنا بطاقة الهوية ومنحونا بطاقة الزيارة ليدلنا بعدها على مكتب مسؤول الموارد البشرية، ولما دخلنا المكتب المخصص لثلاث موظفين وجدناه شاغرا فيه موظفة واحدة، استقبلتنا ببرودة سألناها عن المسؤول فردت بأنه خرج لتناول وجبة الإفطار ولم يعد، لتستفسرنا عن سبب تواجدنا في المكتب، فأخبرناها بأننا بحاجة ماسة للعمل، وهو ما جعلها تستغرب الأمر، لتجيب أن الأمور لا تسير بهذه الطريقة، ثم ابتسمت وطلبت منا نسخة من السيرة الذاتية مع الرقم الهاتفي، أخذت السيرة ودون أن تنظر اليها وألقتها فوق المكتب بطريقة تنم عن عدم الاهتمام واللامبالاة، لتؤكد لنا أنهم سيتصلون بنا في حالة ما اذا كانوا بحاجة لموظفين، أما في الفترة الحالية مستحيل فباب التوظيف مغلق ولا توجد أماكن شاغرة.
ونحن بصدد المغادرة التقينا أحد الموظفين الذي سألنا عن المقابلة كيف سارت؟ فأجبنا بأننا متفائلون، وهو ما جعله يضحك بصوت عال ليرد بعبارة “الله يهديك يا أختي”، كانت تلك الكلمات المفتاح السحري لنسأله عن ظروف التوظيف داخل المؤسسة، فأكد لنا أنه يستحيل أن يتم ذلك دون واسطة، أو كما قال لنا بصريح العبارة “معريفة خشينة”، فالجميع يوظف بهذه الطريقة، والكل يعرف هذا، ومن “لا وساطة له لا وظيفة له أيضا”.
أما عون الأمن في الباب الخارجي، والذي أراد مساعدتنا بطريقة تلقائية، نصحنا بالتوجه لمقر المؤسسة بالمحمدية لإيداع سيرتنا الذاتية والثقة بالله فالأرزاق جميعها بيده وليس بإمكان أي شخص أي يقلل من عزيمتنا.
.
أصحاب الشهادات العليا في آخر طابور الانتظار
وجهتنا التالية كانت نحو مقر شركة “سونلغاز” ببلوزداد، هناك رفضوا السماح لنا بمقابلة مسؤول الموارد البشرية، وطلبوا منا التوجه لمكتب الاستقبال أين تحدثنا الى احدى الموظفتين المكلفتين باستقبال الزوار، سألتنا عن مستوانا التعليمي فرددنا ليسانس، وقبل أن نكمل التخصص قاطعتنا زميلتها وأخبرتنا أن “سونلغاز” ليست بحاجة لأصحاب الشهادات العليا، ليسانس أوماجستير، ولا توظفهم، انهم بحاجة للتقنيين والكهربائيين فقط، أما ذوو الشهادات الجامعية فلا أماكن لهم في الإدارة.
إلا أن زميلتها أبدت نوعا من التعاطف معنا، فتناولت قطعة من الورق ودونت لنا عليها عنوان مسؤول الموارد البشرية، ثم طلبت منا أن نرسل له ظرفين بريديين مرفقين بالسيرة الذاتية فلربما يحالفنا الحظ في الظفر بمنصب الأحلام تسلمنا الورقة وغادرنا المقر.
وفي الطريق، أسر لنا بعض الموظفين أن البحث عن عمل لا يتم بهذا الأسلوب، بل يتوجب علينا ايجاد أحد الوساطات والتي تتصل بالإدارة ليوفروا منصب عمل لنا.
.
“ميترو الجزائر” .. رقم الهاتف مقابل الفوز بوظيفة
مباشرة بعد مغادرتنا مقر شركة “سونلغاز” قصدنا مقر “ميترو الجزائر” القريب منها، عند المدخل التقينا ببعض الأعوان، فحدثناهم عن طلبنا، فلم يتوانوا في عرض المساعدة علينا، موضحين بأن المؤسسة تبحث عن الكفاءات والخبرات الجامعية، ثم استطرد أحد الأعوان، والذي نصب نفسه فجأة مسؤولا عن السير الذاتية، أننا بحاجة ” لواسطة ” كي تسهل لنا اجراءات الفوز بمنصب، ولما أخبرناه أننا لا نعرف أي شخص داخل هذه المؤسسة أجاب بأننا اليوم تعرفنا عليه وهو من سيساعدنا، ثم راح يطرح بعض الأسئلة الشخصية، مثل هل أنت مرتبطة؟ وهل بإمكاني أخذ رقمك الهاتفي والاتصال بك لأساعدك في الحصول على العمل؟ وهو ما جعلنا نشعر بنوع من الإحراج فتركنا المكان.
.
مؤسسات ترفض استلام الملفات وأعوان الأمن مديرون
تكررت المشاهد في المؤسسات العمومية الأخرى، فبمؤسسة نقل السكك الحديدية ببلوزداد وجدنا مجموعة من الموظفين استفسرونا عن مشكلتنا فرددنا نريد عملا، وهو ما جعل ثلاثتهم ينفجرون ضحكا في آن واحد، ثم طلبوا منا التوجه الى مقر المؤسسة في حسيبة بن بوعلي، وهناك يمكن أن نوظف أو نعود أدراجنا خاليي الوفاض، ولما أعلمناهم بأننا متحصلون على شهادة ليسانس، واصلوا ضحكهم، ثم قالوا ليس المهم مستواك التعليمي ولكن الأهم هو “المعريفة ” أي من بإمكانه مساعدتك للفوز بالوظيفة .
وازدادت صدمتنا لما دخلنا مقر المؤسسة الوطنية للنقل البري بحسين داي، هناك واجهنا عون أمن برتبة “مدير عام”، فهو لم يسمح لنا بالدخول أو حتى مقابلة مدير الموارد البشرية، فالمقابلة لا تتم إلا بموعد خاص، ويبدو أن إصرارنا زاده تعنتا ورفضا، ثم طلب منا ترك نسخة من السيرة الذاتية، وهو سيوصلها اليه، مضيفا أننا محظوظون جدا لما سمح لنا هو بالحديث إليه، أما التحدث الى مدير الموارد البشرية فهو من المستحيلات السبعة، لتتدخل موظفة كانت برفقته مسؤولة عن تسجيل الحضور والغياب أنه كان يجدر بنا البحث عن وظيفة في مؤسسات أخرى لها علاقة بتخصصنا، لكننا حاولنا اقناعها بأننا نريد الوظيفة ولا يهم المجال فحتى العمل كمنظفة يناسبنا.
وبمجرد أن وصلنا مؤسسة شركة تسيير المساهمات النقل البحري ببروسات، حسين داي، كان التعب قد نال قسطا كبيرا منا، حاولنا الاقتراب من أحد أعوان الأمن، وبدأنا الدردشة معه حول موضوع العمل، وتفاجأ لما سمع أننا متحصلون على شهادة ليسانس ونبحث عن وظيفة، ثم أشار الى احدى الموظفات ترتدي تنورة قصيرة وشعرها مسدول على كتفيها، كانت برفقة شخص مسن يبدو عليه الوقار من خلال بدلته الأنيقة، أنها لا تملك أدنى مستوى تعليمي، لكنها تحصلت على المنصب بطرق معروفة لدى الجميع، تظاهرنا بالغباء والبراءة لنحاول فهم الطريقة التي يتحدث عنها، فامتنع عن التصريح، ثم واصل قائلا أن شركة تسيير المساهمات النقل البحري تتكون من 4 شركات يوظفون الشباب البطالين من أصحاب البطاقة الزرقاء الذين ترسلهم مكاتب التشغيل.
.
المحلات والمطاعم تستعمل الفتيات كطعم لاصطياد الزبائن
بعد أن طرقنا أبواب المؤسسات العمومية دون جدوى، توجهنا نحو المحلات التجارية والمطاعم المتواجدة على مستوى شارع حسيبة بن بوعلي في الجزائر العاصمة، وهناك دخلنا محلات تجارية لبيع الملابس، أدوات التجميل ومواد غذائية، باحثين عن العمل كنادلة أو قابضة، غير أن التوظيف هنا يخضع لمعايير خاصة وخاصة جدا.
أول محل ولجناه كان خاصا ببيع مواد العطور ومواد التجميل، تحدثنا مع صاحبه عن سبب زيارتنا وبعد أن أمعن النظر في مظهرنا الخارجي استفسرنا عن وضعيتنا الإجتماعية، ثم طلب منا رقم الهاتف ووعدنا بالإتصال مساء ليبلغنا جوابه. وبالفعل جاء اتصاله في حدود الساعة العاشرة ليلا تلته رسالة قصيرة يوضح فيها موافقته على العمل مقابل 8 آلاف دينار للشهر. وهي ذات الأفعال التي قام بها صاحب محل لبيع الوجبات الخفيفة والذي طلب منا الجلوس على مقعد بقربه، ثم بدأ يدردش معنا في مواضيع خاصة جدا، وبعد مهلة من التفكير لا تتجاوز 10 دقائق، أعلن موافقته وضرب لنا موعدا في اليوم التالي.
وبينما رحب بنا عامل بمحل للحلويات بشكل خاص لما سمع طلبنا، ودون أن يستعلم عن الخبرة طلب منا العودة في اليوم الموالي لأن صاحب المخبزة سيسر كثيرا بتوظيف فتاة وستساعده في بيع منتجاته وجلب الزبائن، وهو النظام الذي تعتمده أغلب المحلات على حد قوله دوما، رفضت صيدلانية توظيفنا بحجة أنها ليست بحاجة لمستخدمين جدد، كما أن تكويننا الأدبي لا يسمح لنا بالتعامل مع المكونات الكيميائية والأدوية.