سيئة وحسنات
في 24/12/1985 جاء اليقين الأستاذ الزعيم فرحات عباس، بعدما قضى في هذه الحياة الدنيا كادحا إلى ربه، مناضلا في سبيل ما آمن به، وكان قد شاهد النور في نهاية القرن التاسع عشر، وبالضبط في 24/8/1899 بمنطقة “الطاهير” من ولاية جيجل.. وقد تخرج صيدليا في جامعة الجزائر..
اعترف أنني ممّن “ظلموا” الزعيم فرحات عباس، إذ لم نذكر من أقواله وأفعاله الكثيرة والوطنية إلا الجملة التي كتبها في شهر فبراير سنة 1936، وهي “أنا فرنسا”، وقد تراجع عنها عندما ردّ عليه الإمام عبد الحميد ابن باديس، فكان “رجلا” باعترافه بخطئه.. ولكن ما ضغي الكلام من “محتوى” الوطنية ما يزالون في غيهم، ويجهدون أنفسهم في تبييض عاقبة من باع الوطن في ساعة العسرة. وإن تبييض الأعمال لأقبح من تبييض الأموال..
فرحات عباس كان أحد ضحايا المدرسة الفرنسية في الجزائر، التي استهدفت تكوين شبه متعلمين لخدمة المخطط الفرنسي، فكانوا أقرب إلى الجهل منهم إلى العلم خاصة في العلوم الإنسانية، إذ كتب بعضهم قائلا: “نحن لاتينيون”، وكتب آخر قائلا: “نحن مسيحيون”، ودعوا إلى الاندماج الطوعي أو الإدماج القسري في المجموعة الفرنسية، ولو في الدرك الأسفل منها.. وماتزال البقية مما نسلوا تسعى لتحقيق ما لم يحققه أسلافهم.. ويبدو أن نهايتهم قد أزفت.
لقد علم الله – عز وجل- في عبده فرحات عباس صدقا فقدّر له أن يتحول من “اندماجي” إلى مجاهد، فقدم للثورة الجزائرية مالم يكن لغيره ممن عاشوا الظروف نفسها أن يقدموه لها.
كانت فرنسا الأفاكة تنقنق في العالم أن المجاهدين الجزائريين هم “صعاليك”، “أشرار”، خارجون عن القانون، فإذا فرحات عباس ينضم إلى جهاد شعبه، فيحدث ثورة أخرى أتت على إفك فرنسا كما أتت عصا موسى – عليه السلام- على جبال سحرة فرعون وعصيّهم؟
وادّخر الله – عز وجل- مجدا آخر لفرحات عباس عندما زكّاه الأحرار ليرأس أول حكومة مؤقتة للجزائر، وعندما انتخب ليكون أول رئيس لـ”البرلمان الجزائري” فلما تبين له أن قيادة الجزائر بعد 1962 تمارس “مراهقة سياسية”، وأن مسؤولها الأول “رجل دون المستوى” (الاستقلال المصادر ص96)، ترك المسؤولية مع من اتسموا بـ”الجهل”، وغامروا بالجزائر، لولا أن الله – عز وجل- عجّل لهم النهاية. وقد دفع كالرجال الأحرار ثمن مواقفه في عهد ابن بلة وفي عهد بومدين.
لفرحات عباس مجموعة من الكتب، بدأها بـ”الشاب الجزائري” ثم “ليل الاستعمار”، و”تشريح حرب”، و”الاستقلال المصادر”، وختما بكتاب “غدا سيطلع النهار”، ويبدو أن نهار الجزائر قد طلع في هذا “الحراك” المبارك الذي بدأ في 22 فبراير 2019، فأنهى عهد “عبادة الأهواء” و”عبادة الكادر”.
قال لي الشيخ العباس إنه قال للزعيم فرحات عباس عندما كان رئيسا لحزب الاتحاد الديمقراطي للبيان: ينبغي أن تدغدغ عواطف الجزائريين وتمنيهم طمعا في أصواتهم الانتخابية”، فأجابه قائلا: “أنا لا أخادع الجزائريين، وواجبي أن أصدقهم، ولن أكذب عليهم. ومن أجمل وأصدق ما قاله فرحات عباس: “الإسلام للشعب الجزائري كالماء للسمكة”. (الاستقلال المصادر. ص119).