الرأي

سيد قطب المفترى عليه

عدة فلاحي
  • 7147
  • 0

بعد ردنا، في الحلقة الماضية، على جناية السيد نور الدين بوكروح على الشهيد سيد قطب الذي نعته بـ”الظلامي”، نعود مرة أخرى ولكن بطرح هذا السؤال: هل فعلا أحدث الشهيد سيد قطب رحمه الله في المسلمين بكتابه “معالم في الطريق” كما أحدثه كتاب رأس المال لكارل ماركس في عالم الاقتصاد؟

كثير من الجماعات الإسلامية المتشددة أرادت أن تستعين بأفكار سيد قطب التي جاءت في “الظلال” و”معالم في الطريق” لتبرير منهجها الصدامي. وهي بذلك العمل قد تجنت جناية بالغة في حق قطب لأنها اختزلت النصوص من سياقها لتوظفها لصالحها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض الإخوان أنفسهم ولغايةٍ ما، حمّلوا سيد قطب مسؤولية التكفير، ولعل قراءتهم للنصوص لم تكن بقدر من الدقة والحذر.. فهذا الدكتور محمد حبيب، وهو أحد القيادات المنشقة عن الإخوان، يردد في كل مناسبة يفتح فيها الحديث عن التطرف والغلو وعلاقته بسيد قطب، أنه خلال ثمانينيات القرن الماضي عرض “الظلال” على الشيخ يوسف القرضاوي ليراجعه ويصفيه من حالات التكفير التي وردت فيه، ولكن، يقول الدكتور حبيب، “عاد الشيخ القرضاوي بعد مدة عاجزا عن القيام بالمهمة التي أوكلت إليه ليقول للجماعة: “لم أستطع فعل أي شيء.. ماذا أفعل والظلال يرشح بالتكفير؟ رددها عدة مرات..”، بمعنى أنه محشو بالتكفير ولا سبيل إلى تطهيره.

 هذه الأحكام التكفيرية أقلّ من أن تُحصى، ولكن لإعدام سيد قطب لسبب أو لآخر، يضعونها في المقدمة ويجعلونها هي السبب وفي الواجهة ليحمّلوه وزرا آخر هو منه براء، وبذلك هم بجنايتهم البعيدة عن الإنصاف والموضوعية العلمية يعدمونه مرة أخرى إما زورا وبهتانا أو عن جهالة.

 وبطبيعة الحال، اغتنم السلفيون الفرصة لإلصاق تهمة التكفير بقطب خوفا على نفوذهم الذي استشعروا أنه مهدد من الإخوان الذين فتحوا لهم الأبواب بالسعودية بعدما بطش بهم النظام الناصري في مصر، ولكن يجب ألا نتجاوز قول الحقيقة وهي أن النظام السعودي هو كذلك استثمر في القضية واستعان بالإخوان لضرب عبد الناصر ومشروعه القومي الاشتراكي. كما كان الأمر كذلك بعد عقود لمواجهة المد الشيوعي في آسيا الإسلامية وبالخصوص بعد غزو السوفيات لأفغانستان..

 بالعودة إلى بعض أقوال وفتاوى المراجع الدينية حول أهمّ وأخطر قضية شهدها العالم الإسلامي وهي مسألة الحاكمية، يتبيّن لنا كم حمل سيد قطب ظلما وزر تفسيرها بالشكل المغلوط الذي أحدث فتنة وخرابًا في الديار الإسلامية، يقول الشيخ العثيمين مجيبا عن سؤال له علاقة بالحاكمية: “.. إذا فهمت ذلك، فاعلم أن من لم يحكم بما أنزل الله، وأراد أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله وردت آيات بنفي الإيمان عنه، وآيات بكفره وظلمه وفسقه..” إلى أن قال: “.. من لم يحكم بما أنزل الله استخفافا به، أو احتقارا له، أو اعتقادا أن غيرَه أصلحُ منه، وأنفع للخلق فهو كافرٌ كفرا مُخرِجاً من الملة، ومن هؤلاء من يضع للناس تشريعاتٍ تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجا يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية، والجبلة الفردية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه”. وبعد سرد مجموعة من النصوص المشابهة لهذه، يعقب صاحب “سيد قطب المفترى عليه” الكاتب محمد شارف بالقول في الصفحة 87 من كتابه: “هذه بعض أقوال العلماء المعاصرين في قضية الحكم بغير ما أنزل الله ولعلها أشد قسوة من كلام سيد قطب- رحمه الله- وكلها صريحة في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله، فلماذا يُلام سيد قطب دون غيره أم إن له أحكاماً خاصة؟”، إذن يمكن القول بأن هذه الأحكام التكفيرية أقلّ من أن تُحصى، ولكن لإعدام سيد قطب لسبب أو لآخر، يضعونها في المقدمة ويجعلونها هي السبب وفي الواجهة ليحمّلوه وزرا آخر هو منه براء، وبذلك هم بجنايتهم البعيدة عن الإنصاف والموضوعية العلمية يعدمونه مرة أخرى إما زورا وبهتانا أو عن جهالة.

يقول ربيع المدخلي في شريط مسجل بعنوان “لمحة عن التوحيد” خصص فيه حصة الأسد لنقد سيد قطب نقدا لاذعا عاريا من الاتزان والعدل بالقول: “إن هذا الرجل- يعني سيد قطب- ما ترك أصلا من أصول الإسلام إلا شوّهه أو هدّمه..”

 يقول ربيع المدخلي في شريط مسجل بعنوان “لمحة عن التوحيد” خصص فيه حصة الأسد لنقد سيد قطب نقدا لاذعا عاريا من الاتزان والعدل: “إن هذا الرجل- يعني سيد قطب- ما ترك أصلا من أصول الإسلام إلا شوّهه أو هدّمه..” وللأسف تصدر مثل هذه الأحكام القاسية والمشينة والخارجة عن أدب النقد من شخصيةٍ تحمل أعلى الشهادات العلمية في حق عالم دفع حياته من أجل تصحيح المفاهيم وبعث الروح فيها، ومن المفترض أن الخطأ في الاجتهاد، وإن وقع من الشهيد سيد قطب، لا يفسد للود قضية، ولكن المسألة تتجاوز النقد العلمي النزيه. ولهذا بذل الأستاذ الكاتب محمد شارف من خلال كتابه القيم والجدير بقراءته بعمق “سيد قطب المفترى عليه”، جهدا معتبرا للرد على خصوم سيد قطب، وفي مقدمتهم الدكتور الشيخ ربيع المدخلي الذي “تخصّص” حسب قوله في نقد سيد قطب، والقاعدة التي نبه إليها الكاتب هي أن المفكر مر بمراحل في فهمه وتصوره وتقديره للأمور وفي صياغته لها وبالتالي يجب ألا نقرأ النصوص مفصولة ومبتورة عن بعضها البعض والتعويل يجب أن يرتكز على الخواتيم، والأفكار قد ينسخ بعضها البعض.

 وفي هذا الباب، يورد مجموعة من القضايا التي أثارت ولا تزال تثير كثيرا من الجدل، مثل تقزيمه شخصية موسى عليه السلام، فهو يقول في الصفحة 147: “إن كتاب التصوير الفني في القرآن الذي ورد فيه وصف كليم الله موسى عله السلام بأنه نموذج للزعيم المندفع عصبي المزاج، كان في المرحلة الأولى من حياة سيد قطب رحمه الله، وكان القصد منه الدراسة الفنية لا الدراسة الدينية، وهذه المرحلة لا تمثل فكر سيد قطب كما صرح بذلك مشافهة وكتابة، وكل نقد يوجه إليها إجحاف وظلم لصاحب الظلال”.

 وقضية أخرى لا تقل أهمية، وهي اتهام سيد قطب بأنه من دعاة “خلق القرآن” على مذهب المعتزلة، وبأنه كان من المؤيدين للثورة على خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولكن السؤال الذي نختم به مقالتنا هذه هو: لو أن سيد قطب كان فعلا يمثل خطورة عقائدية وسياسية وبالخصوص في مسألة الحاكمية، هل كان بوسع الرئيس الراحل هواري بومدين التوسط لدى عبد الناصر لكي لا ينفذ حكم الإعدام في حقه ويشفع له ولا يُشفّع مما أدى ببعض المحللين إلى القول إن حكم الإعدام كان بقرار من القيادة السوفياتية آنذاك ولم يكن لعبد الناصر ليعترض وإن التقت مصلحة الطرفين، والله أعلم.

مقالات ذات صلة