سيد قطب.. شهيدٌ لم يخفض شراعه للعاصفة
علق الأستاذ مالك بن نبي على خبر الحكم بالإعدام الصادر في حق سيد قطب بقوله: “في العالم الإسلامي المثقفون يهربون من المسؤولية، وهذا ما تعنيه بطولة سيد قطب الذي لم يخفض شراعه للعاصفة، وفضَّل الموتَ شهيدا على أن يموت خائنا” …
بهذه الكلمات البليغة علّق بن نبي على المظلمة التي تعرض لها سيد قطب رحمه الله، من قبل طواغيت الثورة المصرية، الذين أعدموه بعدما قضوا مصالحهم منه، إذ كان من العناصر الفاعلة بينهم في حركة الضباط الأحرار، بل كان أعلمهم وأفقههم وأفهَمهم… ولكن منطق الاستبداد غير منطق العدل والعلم والفكر…
بهذه المناسبة رأيت من الوفاء لهذا العملاق الإسلامي العظيم أن اكتب عنه إحياء لذكرى صدور حكم الإعدام الأليمة في حقه، الذي كان في 28 أوت 1966… وقد انتفض كل العالم الإسلامي: جمعيات وعلماء ومحامون بل إن بعض الحكام العرب أرسلوا إلى عبد الناصر يطلبون تعليق الحكم، ولكن الطغيان الناصري كان قد بلغ أوجه. ومن الجزائريين الذين شاركوا العالم استياءه من هذا الصنيع “جمعية القيم الإسلامية” التي كان يرأسها الدكتور الهاشمي التيجاني رحمه الله، فكان جزاؤها عقوبة الحل.
إن فضائل الشهيد سيد قطب رحمه الله، لا تقف عند كونه مفكرا إسلاميا ومفسِّرا لكتاب الله سبحانه ومناضلا في سبيل القضية الوطنية والإسلامية، هو أديبٌ متقن لفنه وكاتب رسالي جاد، وقد سجل التاريخ هذا الفضل، فأثنى عليه من ليس على مذهبه، كما لم يمنع من كان خصمه في التوجه الفكري والثقافي الثناء على كفاءته الاستثنائية.
قبل أشهر قليلة، خصص الإعلامي المصري محمد ناصر في قناته على اليوتوب، حصة عن سيد قطب رحمه الله [1906– 1966] عبر عرضه لشهادات هامة لأديب وناقد أدبي غير إسلامي هو الأستاذ سليمان فياض، وهي شهادات يتعين إشاعتها بين الناس لكونها صادرة عن رجل يخالفه التوجه الفكري، إلى جانب شهادات أخرى، لإبراز مكانة الرجل الذي لم يكن إعدامه تنفيذا لحكم في حق مجرم كما هو ظاهر القضية، وإنما تنفيذا لأحقاد كامنة في نفوس أصحابها، أو تنفيذا لأوامر مصحوبة بمبالغات الخاضعين زيادة عن المطلوب من نوع “إذا قيل لهم اركعوا يسجدون”، بحسب ما توحي به شهادة عمر بهاء الدين الأميري سفير سوريا في باكستان يومها، التي قال فيها “زارني السفير الأمريكي صبيحة تنفيذ الحكم بحق سيد قطب في شهر سبتمر وقال لي: نحن قلنا له ضيِّق على الإخوان ولم نقل له اقتل” [من حوار منشور في مجلة المجتمع الكويتية في منتصف الثمانينيات]، وهي شهادة على ما يمكن أن تفعل الأحقاد بأصحابها عندما يستسلمون لأهوائهم المريضة.
عيَّنت السلطة رقيبا على ما يكتب سيد قطب في السجن، وكُلف بهذه المهمة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله الذي كان يومها وكيلا بوزارة الأوقاف، ومن حسن حظ “ظلال القرآن” أن رقابة الشيخ الغزالي لم تلغِ شيئا مما كتب سيد باستثناء فقرات قصيرة في قصة الأخدود فيها تعريضٌ بالسلطة، ألغاها الشيخ من التفسير، ولكن ما ألغاه الشيخ الغزالي من “الظلال”، لم يكن له تأثيرٌ في مضمون كتاب “الظلال”، ومع ذلك بقي النص المحذوف مثبتا في كتاب “معالم في الطريق”.
إن سيد قطب كما جاء في حصة الأخ محمد ناصر رواية عن سليمان فياض، عملاق في النقد الأدبي، ومن إبداعاته التصوير الفني في القرآن ومشاهد القيامة في القرآن، وقد تأسّف فياض عن حصر سيد نفسه في الاتجاه الإسلامي؛ بل زاره في بيته ليبدي له إعجابه به وربما فكّر في ثنيه عن الاتجاه الذي ارتضاه لنفسه، وربما هيّأ القدر الأستاذ فياض ليحفظ له شهادة عفوية، على الذين حكموا بالإعدام على سيد قطب ونفذوه. بفضل هذه الزيارة التي قدّم له فيها صورا لاجتماعات الضباط الأحرار وقيادة الثورة تحت الشجرة التي استقبله تحتها سيد قطب رحمه الله في بيته، فكشف له عن صور اللقاءات كلها والتي كان فيها سيد حاضرا، بمن في ذلك القاضي الذي حكم عليه بالإعدام في سنة 1966 وهو فؤاد الدجوي، وليسجل لنا فياض نباهة سيد من الناحية السياسية إذ أشار إليه في تلك الزيارة في سنة 1953 إلى أن القائد الحقيقي للضباط الأحرار هو جمال عبد الناصر؛ وليس نجيب! بل قال له سيكون له شأن! وهنا يمكن لنا أن نتساءل: لماذا تحالف الإخوان مع نجيب ليدخلوا في صدام مع عبد الناصر، وسيد قطب وهو منهم يرى أن موازين القوة كانت في صالح عبد الناصر داخل تنظيم الضباط الأحرار؟ إن الممارسة السياسية الناجحة تكمن في استشراف موازين القوة، والاشتغال عليها تأسيسا للقيادة الجديدة للبلاد.
ومن الفضائل التي تميز بها سيد رحمه الله أنه محسن في كل ما يقدِم عليه، ففي حياته الأدبية أعطى للأدب حقه: إنتاجا ونقدا واكتشافا للمواهب والتبشير بها، فقد اكتشف من الأدباء الشباب على عهده الروائي نجيب محفوظ الذي حصل على جائزة نوبل فيما بعد، كما اكتشف الكثيرين غيره في ذلك العهد. وعندما انتقل إلى الكتابة في الإسلاميات، لم تكن كتاباته كالتي ظهرت في إسلاميات طه حسين والعقاد وأحمد أمين وغيرهم، وإنما تميزت بإبداعات خارجة عن المألوف، فكتاباه “التصوير الفني” و”مشاهد القيامة” في القرآن، يشتملان على قوة فنية رائعة ظهرت بعد ذلك تطبيقاتها في كتابه العظيم “في ظلال القرآن” الذي بدأ بنشره مقالات في مجلة” المسلمون” التي كان يصدرها سعيد رمضان “أبو طارق”، في أواخر سنة 1950، إذ كان يكتب مقالا شهريا في مجلة المسلمون الشهرية، ثم جاءه عرض من “دار إحياء الكتب العربية” وتعاقد معها لينجز لها كل شهر جزءا، أي تفسير حزبين شهريا، واستمر على هذه الحال، ولكن ما إن سُجن في ظل صراعات الإخوان مع نظام عبد الناصر، حتى توقف سيد عن الكتابة، فرفعت “دار إحياء الكتب العربية” دعوى قضائية بحكم تضرُّرها من سجن سيد، فحُكم لها بأن يواصل سيد التفسير من السجن، وعيَّنت السلطة رقيبا على ما يكتب سيد، وكُلف بهذه المهمة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله الذي كان يومها وكيلا بوزارة الأوقاف، ومن حسن حظ “الظلال” أن رقابة الشيخ الغزالي لم تلغِ شيئا مما كتب سيد باستثناء فقرات قصيرة في قصة الأخدود فيها تعريضٌ بالسلطة، ألغاها الشيخ من التفسير، ولكن ما ألغاه الشيخ الغزالي من “الظلال”، لم يكن له تأثيرٌ في مضمون كتاب “الظلال”، ومع ذلك بقي النص المحذوف مثبتا في كتاب “معالم في الطريق”…
ومن مظاهر صدقه أيضا وتقديره للرجال، فقد أرسل إليه الأستاذ فياض -وهو على غير مذهبه ولكنه معجب به جدا- مجموعة قصصية وكتب له فيها إهداء وهو في السجن، فأعادها إليه وطلب منه تمزيق الصفحة حتى لا يتأذَّى بسببه.
ولما قيل له: أتركت النقد الأدبي؟ كان رده: ومن قال هذا؟ الكاتب حين تكون له قضية يكتب في النقد الأدبي وفي غير النقد الأدبي، وغايته أن يبعث العافية في حياة الناس، ولكن مستوى الوحشية التي بلغها الناس لا يمكن أن يواجهها إلا الدين، ولذلك كان تحوّل الأستاذ سيد قطب ذلك التحوّل العجيب من أديب فنان صاحب حس رهيف إلى قوة صلبة تواجه العالم في توجهاته في كل ما كتب بعد ذلك “السلام العالمي في الإسلام”، و”معركة الرأسمالية والإسلام”، و”العدالة الاجتماعية والإسلام”….، فأنهى بالكتابة في الإسلاميات، ولكن بإبداعات قلّ نظيرها، إذ وجدت كتاباته إقبالا لم يعرفها غيرها من الكتب خاصة في ستينيات والقرن الماضي وسبعينياته… لقد كانت كتب سيد في تلك المرحلة من أكثر الكتب طباعة وتوزيعا وقراءة وترجمة إلى لغات أخرى غير العربية؛ بل ازدادت انتشارا بالحكم عليه بالإعدام وتنفيذه.
لا شك أن هناك آراء فيما كتب سيد رحمه الله خاصة في موقفه الصلب من التوجهات الدخيلة على الإسلام، ومن النظم السياسية التي نشأت بعد الاستقلال، وهي الأفكار والمواقف التي فهم منها بعض الناس أنها كانت سببا في نشأة التيارات الراديكالية المتطرفة في صفوف الحركة الإسلامية… ولكن الدارس لتاريخ الأفكار والصراعات الأيديولوجية، يجد لتلك الأفكار مبررات موضوعية في ظل الصراع اليساري الإسلامي الذي لم يكن مجرد صراع سياسي يمكن تجاوزه بمجرد الحوار الهادئ، إنما كان صراعا فكريا عقديا، يتطلب مستوى من الصلابة التي يقتضيها الوضع العادي، وقد شبَّه سيد قطب رحمه الله تلك المرحلة بالمرحلة المكية التي كان فيها المؤمنون مضطرين للعزلة الشعورية التي تحفظ لهم معتقداتهم التوحيدية في جو ملبَّد بسحب ماركسية لا يمكن مواجهتها بالمناقشات البينية، خاصة أن التيار اليساري كان مستعليا على الأمة بالدعم السوفييتي الذي عُرف بمساندته للشعوب المستعمَرة في صراعها مع الغرب الاستعماري الامبريالي.