سيناتورات وديناصورات!
عندما يصطاد غربال التطهير، ثمانية سيناتورات حاولوا الترشح للانتخابات المحلية، من أجل “العودة” إلى مجلس “الغمّة” والخلود هناك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهذا دليل آخر على البؤس السياسي، ورفض التداول السلمي والسليم، وإلاّ ما الذي يمنع هؤلاء “الشيوخ” من الاكتفاء بإتمام عهدتهم وعدّتهم الانتخابية، ليتركوا الفرصة والمكان لخلفاء آخرين؟
من الطبيعي إذن، أن يجري ما يجري من “عفيس ودحيس” على المستوى القاعدي، بين الراغبين في الحصول على مفتاح من مفاتيح المجالس البلدية والولائية، وللأسف فإن الهدف بالنسبة لأغلبية المتحرّشين، قضاء مصالح شخصية وعائلية وعشائرية، لا علاقة لها إطلاقا بالتمثيل الشعبي!
على غربال التنقية، الذي أسقط هؤلاء السيناتورات، أن يُسقط أيضا، هؤلاء الذين يتلاعبون بأصوات الناخبين وممتلكات الشعب والدولة، ومنهم من تورط في الابتزاز والتدليس وإبرام الصفقات المشبوهة والغشّ والتزوير وسوء التسيير، لكنه بعد كل هذه المهازل والفضائح التي كانت بالجملة والتجزئة فإنه يُريد الترشح والفوز مجددا بمقعد في المجلس البلدي أو الولائي، ويا ريت يكون منصب سيادة المير!
لأن المسؤولية تحوّلت من التكليف إلى التشريف، ولأن الحساب والعقاب انتحرا عند أسوار المجالس “المخلية”، فمن البديهي أن يتنافس كلّ من هبّ ودبّ على العضوية في البلدية والولاية، طالما أن دخول الحمّام أضحى كالخروج منه، رغم حملات التوقيف والسجن والمتابعة القضائية و”البهدلة” التي لاحقت عشرات المنتخبين السابقين واللاحقين!
لكن، دعونا نعترف جميعا، ونقول بأن ثقافة الكرسي الشاغر والانسحاب وعدوى “تخطي راسي”، من طرف الأتقياء والحكماء والعقلاء والكفاءات وأصحاب الخبرة والشهادات، هي التي فرشت البساط الأحمر للمنبوذين والطماعين والانتهازيين والوصوليين والعاجزين والفاشلين، ممّن تسابقوا في ماراطون بدون منافسين محترفين!
قديما قالوا: إذا اختلف السرّاق ظهر المال المسروق، ولذلك كلما عادت الانتخابات، تنفجر القنابل والاتهامات والتنابز بالألقاب والانتقام وتصفية الحسابات و”النيران الصديقة”، وتظهر تحالفات غريبة بين الذئاب والنعاج، هدفها بطبيعة الحال قطع الطريق على “المنافس” الأقرب إلى الفوز باستخدام الهفّ والفستي لإقناع بقايا الناخبين بجدارته على البزنسة والسمسرة!
حين تقرّر أحزاب تزعم أنها “كبيرة”، المشاركة في الحدّ الأدنى من البلديات والولايات، وتفشل أحزاب متهمة بأنها “صغيرة” في العثور على مترشحين يملأون قوائمها، فمن الضروري التحرّك العاجل حتى لا تصبح الأحزاب مجرّد حوانيت معتمدة بسجلات تجارية لتسويق الخردة عبر الأسواق الفوضوية التي قرّرت الدولة إزالتها!
ما الفائدة إذن: من تعدّدية حزبية تملأ الساحة ضجيجا في الانتخابات فقط؟ والضجيج هو مجموعة من الأصوات المزعجة التي تمنع سامعها من النوم دون أن تـُشعره بالاستمتاع والطرب، وحينها لا يسع المستمعين إلاّ أن يردّدوا أنشودة: يا سعدك يا لطرش!
مرحلة تفريخ الأحزاب بدل أن تصحّح أخطاء وخطايا فترة الحزب الواحد، فإنـّها كرّهت الجزائريين في تعددية متعدية إلى النطيحة والمتردية، بما ضيّع المصداقية والثقة، وجعل من الانتخابات المحلية، مجرّد “زردة” لاستعراض حركات بهلوانية لمتحرّشين يتسابقون على بطولة النهب والنصب والكذب!