الرأي

سينما تتستّر على القاتل!

قادة بن عمار
  • 10651
  • 36

“هل أنت من الصحافة”؟ سألني ذلك المواطن البسيط في شارع العربي بن مهيدي، أكبر شوارع وهران، أجبته “من المفترض أن أكون منهم!” حينها، توقعت منه أن يشتم السلطة أو ينتقد أداء الإعلام في الجزائر أو ربما يشتمهما معا، لكنه فاجأني بخيار ثالث: “إن كنت من الصحافة، فقل لهم، لا داع لأن تكذبوا علينا أكثر، كيف يأتون في مهرجان وهران بفيلم سينمائي من سوريا، يدّعي أن الثوار يقتلون الشعب هناك!..أليس من يقتل السوريين بالعشرات يوميا، هم جنود بشار الأسد وبراميله المتساقطة وطائرات حليفته روسيا.. من يقتل السوريين هناك.. شيعة حزب الله وإيران”!!

قالها دفعة واحدة دون انتظار.. حتى إنه لم ينتظر مني جوابا، يؤيده أو يعارضه، أو ربما يبحث له بين التأييد والمعارضة عن حلّ وسط، يجعل من هؤلاء القتلة يتساوون أمام أنظار الناس جميعا، قبل وقوفهم جميعا بين يدي الله.. وحده عز وجل.. من يستطيع أن يحدد القاتل الحقيقي في هذا الزمن الدموي المفرط !!

لكن هذا المواطن القاطن في وهران، على بُعد آلاف الكيلومترات من حلب ودمشق والرقة، لا يبحث عن حلول وسطى ولا عن تفسيرات معلبة، حلول بات المثقفون يصطنعونها دفاعا عن نفاقهم المزمن..إنه يبحث عن الحقيقة التي ترضيه !!

قد يكون هذا المواطن البسيط ضحية إعلام قطري سعودي، يشاهد الجزيرة والعربية بشكل يومي،.. تماما مثلما يشاهد الآخرون المنار والميادين.. لكن لا مفر من السؤال: لماذا تحضر في مهرجان فني مثل وهران، تنظمه دولة في مقام الجزائر، أفلام الرؤية الواحدة والزاوية الواحدة.. أفلام لا تدين إرهاب داعش بقدر ما تبرر أو تدافع عن إرهاب بشار الأسد!

ليست مشكلة أن تستضيف الجزائر إسماعيل نجدت أنزور، ولا المخرج جود سعيد، فالأول قدم لنا على امتداد سنوات طويلة، تحفا فنية رائعة، والثاني شاب يبدع في صناعة صورة سينمائية قلّ نظيرها في العالم العربي حاليا، لكن بالوقت ذاته، كنا نتمنى مشاهدة نجوم الطرف الآخر، من يعارضون السلطة، ويدافعون عن الشعب، كنا نتمنى مشاهدة جمال سليمان ومكسيم خليل ومي سكاف ومحمد آل رشي !!

ثم بأي صفة يحضر نجدت أنزور؟ هل بصفته السينمائية أم بصفته السياسية (على اعتباره نائبا لرئيس البرلمان السوري حاليا) !!

يقدم أنزور وهو مخرج ثلاثية “الجوارح والكواسر والبواسل” فيلم “فانية وتتبدد” في رد على شعار داعش”باقية وتتمدد” لكن أنزور يخدعنا بحياده، يقدم لنا حقيقة تشبه الفانتازيا التي كان يصدّرها للعالم العربي في سنوات سابقة، ويا ليته حافظ على تلك الفانتازيا المتطرفة فقد كان فيها أكثر جرأة منه اليوم في أفلامه الواقعية “المحرضة على الاستبداد والقتل” !!

وبالعودة إلى سؤال المواطن الوهراني: لماذا يكذبون علينا؟ فأنا لم أقدم له جوابا..أو بالأحرى مللت من منح الأجوبة وممارسة الوصاية، فلندع الشعب يقرر..

بالمناسبة، أليس هذا ما كان يطالب به الشعب في سوريا قبل خمس سنوات من اندلاع الثورة ثم اختلاطها بإرهاب داعش وجرم النظام.. ألم يكونوا يبحثون فقط عن صناعة القرار، وعن الحرية فحسب؟ حرية بعيدا عن سلطة النظام وسينما نجدت أنزور !!

مقالات ذات صلة