-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سينما “ماذا لو؟”: حين يعيد الخيال كتابة التاريخ..!

عمار قواسمية
  • 642
  • 0
سينما “ماذا لو؟”: حين يعيد الخيال كتابة التاريخ..!
ح. م

لم تعد السينما تكتفي بسرد ما كان، ولا حتى ما يكون، بل غدت تزاوج بين التاريخ والمتخيل، وتعيد صياغة الماضي في صورة ما “كان يمكن أن يكون”، وذلك من خلال ما يعرف بـ”التاريخ البديل” (Alternative History)، وهو فرش درامي لواقع مغاير يُبنى على فرضية مفصلية تخالف ما سجله المؤرخون. وينتمي هذا التوجه إلى ميدان “الخيال العلمي” (Sci-Fi)، لكنه لا يبحر في الفضاء أو الروبوتات بقدر ما يبحر في زمن لم يحدث، ويطرح أسئلته في صيغة: ماذا لو..؟

يزخر التراث السينمائي العالمي بأعمال اتخذوا فيها من “التاريخ البديل” متراساً لفنهم، كما في مسلسل “The Man in the High Castle” (الرجل في القلعة العالية)، المقتبس من الرواية التي تحمل العنوان ذاته، لصاحبها Philip K. Dick، وفيه تصور لعالم انتصرت فيه ألمانيا النازية واليابان على الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، فتقسم أمريكا بين القوتين المنتصرتين. في مثل هذا السرد، لا يُكتفى بتغيير نتائج الحروب، بل يُعاد تشكيل الأيديولوجيات والهويات الثقافية والاجتماعية وفق هذا التحول المفترض. ومن السينما الفرنسية نذكر فيلم “Uchronie 1871” الذي يفترض سيناريو انتصار الكومونة الباريسية (الثورة الفرنسية الرابعة) وامتدادها بوصفها بديلاً لنظام الجمهورية، حيث يطرح العمل مآلات الثقافة والسياسة والاجتماع بعد انتصار فكر ثوري تقدمي.

وفي الفيلم الألماني “Look Who’s Back” (Er ist wieder da)، الذي يعود فيه “هتلر” فجأة إلى الحياة في القرن الواحد والعشرين، فيصير نجماً تلفزيونياً ساخراً، وهو ما يتيح للنقد أن يطال أوجه تلقي المجتمعات المعاصرة لرموز الماضي، ويحرك النقاش بشأن صناعة الزعامات الجديدة..!

وفي السينما العربية، لا يزال باب “التاريخ البديل” موصداً أو كاد، لم يطرقه إلا نفر قليل، وفي تجارب تُعد على الأصابع، ومنها فيلم “الفيل الأزرق 2” الذي -مع انتمائه إلى الخيال النفسي- يخلق سيناريوهات بديلة في الذاكرة الشخصية للمريض، والتي لها تأثيرات جلية في الحاضر. ويمكن الإشارة أيضاً إلى محاولات بعض المسلسلات الرمضانية في تخيل مصائر أخرى لشخصيات تاريخية. ويقترب هذا من التخييل الدرامي للمؤلف أو الرؤية الإخراجية للمخرج، ويبتعد عن التأصيل النقدي والفلسفي لفكرة “التاريخ البديل”.

أما في السياق الجزائري، فيُلاحظ أن السينما والدراما التلفزيونية لا تزال تميل إلى الرؤى السردية التقليدية للتاريخ، من حيث الالتزام بالمسارات المعروفة سلفاً، وتجنب الخروج عن النسق المتعارف عليه. وهكذا تغيب -أو تُغيّب- النصوص التي تتجرأ على اقتراح سيناريوهات مغايرة لمقتضيات الزمن أو فرضيات غير واقعية تعيد بناء الزمن برؤية إبداعية، كما يقتضي “التاريخ البديل”. وربما يعود ذلك إلى غياب ممارسة الخيال العلمي في التكوين الدرامي، أو إلى تركيز الإنتاج المحلي على السرد الواقعي والاجتماعي دون الانفتاح على التجريب.

وقد تُقترح –على هذا الحال– سُبل تفتح للسينما الجزائرية مسالك لم تُطرق، وتُخرجها من إسار التكرار، وتحركها من سعة الاجترار إلى رحابة الابتكار، ومنها إنتاج أعمال درامية قوامها تساؤلات مثل: ماذا لو لم تشهد الجزائر العشرية السوداء؟ ماذا لو تحقق مشروع “ثورة الزراعة” في السبعينات؟ ماذا لو تجسد مشروع التعريب؟

وفي ما قل ودل أقول إن “التاريخ البديل” ليس لعبة تخيلية فحسب، بل أداة لاستشراف الحدوث في ضوء ما لم يحدث. وهو استفزاز للعقل الجمعي، وسؤال عن الهوية من منظور الندم المأمول أو الفخر المجهول. وبينما تتقدم الدراما الغربية نحو استثمار هذه الأداة لتفكيك أزمتها الحضارية، تبقى نظيرتها العربية -والجزائرية أخص- مدعوة إلى تخطي الحدود التاريخية الصارمة، وإطلاق العنان لمخيلة تجادل الماضي وتسائله، لا لتنسفه، بل لتفهمه عبر ما لم يكن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!